العراقيون لا يخافون الطغاة

تختزن ذاكرتنا الطريّة طرقا مختلفة للوصول الى هدف نسعى اليه، وكان سلوكها ينطوي على خطورة كبيرة بالنسبة الى اعمارنا؛ فمثلاً اصرارنا على سماع اغنية لفنان محظور، او تمزيق صورة الدكتاتور الموجودة في كل الكتب المدرسية، او الكتابة على حيطان صفوف المدرسة بخط ناعم “يسقط صدام”، في حين كان أقراننا يذهبون الى صلاة الجمعة او الزيارة الاربعينية، برغم انتشار ازلام البعث على نطاق واسع لقطع الطريق أمامهم ومنعهم من أداء تلك الطقوس.

أسترجعُ هذه الذكريات وأقارنها مع طرقنا الحالية لترسيخ النظام الديمقراطي، وتثبيت حقنا في حرية الرأي والتعبير المنصوص عليها في الدستور (الذي حظي بموافقة اغلبية شعبنا العراقي في استفتاء العام 2005) فأجد انها (أعني الطرق) لا تختلف عن سابقتها قبل 2003، سوى ان الذين يعبرون عن حقهم اليوم، صاروا اكثر عددا من السابق.

لكن هل هناك احترام لهذا الحق؟

لم يتوان نشطاء الأحزاب المدنية والديمقراطية والحركات الاحتجاجية والناشطون في منظمات المجتمع المدني، ومعهم جمهرة من الإعلاميين والفنانين والمثقفين وغيرهم، عن استخدام أية طريقة لترسيخ قيم الديمقراطية، والحق في حرية التعبير واحترام حقوق الانسان وجميع الحقوق المنصوص عليها في الدستور والمواثيق الدولية.

يقابل ذلك استخدام المتنفذين المتسلطين الفاسدين أساليب شتى لقمع حرية التعبير، ومنها أساليب الاغتيال السياسي والتغييب المتعمد والتخويف وقطع وسائل الاتصال والشوارع. ويمكن ان يصل بهم الأمر الى حد استخدام أجهزة الدولة وبعض التشريعات لمنع أي شخص من الحديث في قضية تمسّهم. فأي الجانبين سوف ينتصر؟

اطلعنا خلال الفترة القريبة الماضية على عشرات البيانات، التي تفيد بتوجيه كتب من هيئة الاعلام والاتصالات لايقاف بث برامج  وجهت اللوم أو انتقدت وربما سخرت بطريقة ما، من عمل هذا المسؤول او تلك المؤسسة. وكانت حجة الهيئة في ذلك، هي مخالفة المعايير المنصوص عليها في لائحة قواعد البث الاعلامي.

أكثر من ذلك استخدمت الهيئة سلطتها في إيقاف العديد من الإذاعات والبرامج، التي كانت قد انتقدت أساليب الحكومة التي اسقطها الشعب في انتفاضة تشرين الخالدة. وها هي اليوم تستخدم سلطتها لإيقاف برنامج "مع ملا طلال" الذي قدّمه الاعلامي بأسلوب جديد، واستخدمت ذات الأسلوب والحجة التي لم يجر استخدامها في الكثير من المناسبات الأخرى مع اشخاص استخدموا وسائل الاعلام للتفرقة الطائفية وتهديد السلم الأهلي. ويمكن القول انهم يستندون الى أحزاب متنفذة او جهات مسلحة خارجة عن القانون.

هل يا ترى اصبح الحديث عن الفساد جريمة يحاسب عليها القانون، بينما الفاسد في مأمن منه؟ واذا كان العكس هو الصحيح، فلماذا لا تستخدم طريقة أخرى غير الاستدعاء الى المحكمة، وإيقاف بث البرنامج، وكيل التهم للممثل اياد الطائي والمقدم احمد ملا طلال، ومنها فتح باب التحقيق في ما قيل في سياق البرنامج، والذي سبق أنْ ذكر على لسان مسؤولين كبار، ومنهم رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي؟

لن تثني أساليب الفاسدين حركات الاحتجاج وناشطيها والقوى المدنية والديمقراطية عن مواصلة المطالبة بحرية التعبير وحق الانسان في العيش الكريم؛ فالتضامن الواسع مع أي ناشط يتعرض الى المضايقة بسبب تعبيره عن رأيه، يؤكد أن العراقيين لا يخافون الطغاة ومحاولاتهم التضييق على حقوقهم المشروعة في كل شيء.