أيها الحضور الكرام أيها المشيعون .. نقف اليوم في مقبرة هانوفر، أبناءه وبناته، زوجته، أحفاده، أقرباؤه، رفاقه، وأصدقاؤه… لا لنقول له وداعًا أخيرًا، بل لنستحضر حياة رجل لم تكن مجرد سنوات تُعدّ، بل مسيرة نضال وصمود وكرامة.
نقف أمام نعش الرفيق صبحي خدر حجو – أبو سربست، لنروي للأرض التي ستحتضنه قصة رجل حمل هموم شعبه، ودفع ثمن مواقفه، ووقف شامخًا رغم كل ما حاول أن يكسره.
وُلد أبو سربست في بحزاني، في زمنٍ كان العراقيون فيه يتعلمون معنى القسوة قبل أن يتعلموا القراءة. منذ صباه، أدرك أن الظلم ليس قدرًا، وأن الإنسان قادر على أن يواجه الطغيان بإرادته . ففي عام 1963، وهو لم يتجاوز السابعة عشرة، اعتُقل على يد الحرس القومي بتهمة الانتماء للحزب الشيوعي العراقي. كان طالبًا في الصف الرابع العام، لكن وعيه كان أكبر من عمره.
في استعراض لمحطات حياته يقول رفيقه وصديقه أبو أشجان ، حين زارته والدته دادا سيفى في معتقله، لم تسأله عن طعامه أو صحته، بل قالت له وصيتها الخالدة:
"اسمع يا ولدي…" مهما تم تعذيبك لا تضعف أبدًا، وحليب صدري حرام عليك إذا اعترفت على رفاقك."
تلك الكلمات صنعت من ذلك الشاب الطري رجلاً لا ينكسر.
رفض تقديم البراءة أمام القاضي رغم تعاطفه معه، فصدر الحكم بسجنه عامين، وتم فصله من الدراسة. لكنه خرج من السجن أكثر صلابة، وأكثر إيمانًا بطريقه، الذي كان على الدوام طريق الشجعان الحقيقيين .
انتمى أبو سربست مبكرًا لصفوف الحزب الشيوعي العراقي، وشارك مع جيلٍ من الثوار الذين فتحت لهم السجون أبوابها بعد انقلاب شباط الأسود. لم تُفل السجون عزيمته، بل دفعته للالتحاق بصفوف الأنصار الشيوعيين، مقاتلًا في القيصيرية وبير موس ودير مار هرمز، وفي مواقع الثوار الأخرى في سهل نينوى وكردستان.
واجه مع رفاقه حملات الأنظمة المتعاقبة العسكرية على مناطق كوردستان، فدافع عن قراها وناسها البسطاء، وكان شاهدًا على بشاعة سنوات الحرب هناك ، التي مزقت البلاد.
ومع مطلع السبعينات وفي بدايات ما يسمى بالجبهة الوطنية ، جدد نظام البعث ملاحقته له ولرفاقه في محلية نينوى وبقية مناطق العراق، فاضطر بعضهم للهرب، واعتُقل آخرون، لكنه بقي ثابتًا، لا يساوم ولا يتراجع، ورجل مواقف.
وفي عام 1978 كان من أوائل الملتحقين بصفوف الأنصار مرة أخرى، وبخبرته وشجاعته أصبح قائدًا للمفارز القتالية، ثم آمرًا للفوج الثالث في مقر كلي هسبه في جبل متين، إلى جانب مهامه الحزبية. كان قائدًا أنصاريا يعرفه رفاقه بالشجاعة، والإنصاف، والقدرة على اتخاذ القرار في أحلك الظروف.
في آب 1988، في فاجعة الأنفال.. ذلك الجرح الذي لا يندمل، فقد أبو سربست كل شيء تقريبًا: زوجته آسيا عمر – أم سربست.. ابنه سربست.. ابنته سندس ..طفلته الرضيعة رفين.. ابن أخيه منيف غانم .. وابن خاله تحسين عيسى ومعهم عوائل شيوعية بكامل أفرادها من مقر مراني.
هذه الفاجعة لم تكسر روحه، لكنها حفرت في قلبه جرحًا ظل ينزف حتى آخر يوم في حياته، ظل يحمل حلمًا بسيطا واحدًا، هو الوصول إلى رفات المؤنفلين. رحل وهو يحمل هذا الهم دون أن يصل إليهم، لكن رفاقه سيواصلون الطريق، وهذا عهدٌ لا يُنكث.
بعد فكهم للحصار عام 1988، في أيام الأنفال وببطولة نادرة استطاع مع أعداد كبيرة من رفاقه أن يتسلل إلى المدن العراقية وصولا إلى الأراضي السورية ، ثم بعد عدة سنوات من الغربة في هذا المنفى القسري، عاد مع اليوم الأول لانتفاضة زاخو بعد غزو الكويت. شارك في الانتفاضة، وعمل في محلية نينوى ودهوك، كان أبو سربست من مؤسسي مركز لالش الثقافي والاجتماعي، ثم قاد محلية نينوى للحزب حتى عام 1993، حين غادر إلى ألمانيا .
في الغربة، لم يهدأ أبا سربست، فأصبح من أبرز المدافعين عن حقوق الإيزيديين وقضاياهم. وشارك بفعالية في نشاطات منظمتي الحزب الشيوعي العراقي والكردستاني في ألمانيا، ورابطة الأنصار الشيوعيين، والجمعيات الثقافية، ووقف مع أبناء شعبه خلال كارثة داعش. فترك أثرًا لا يُمحى، وبصمة يعرفها كل من عمل معه.
أيها الحضور الكريم الحزين، يقول المحامي سعيد بير مراد في رثاء لصديقه، إن أبو سربست لم يكن مجرد مناضل، بل صفحة من تاريخ العراق. واجه نظامًا دمويًا، خسر عائلته، عاش في الجبال، طورد، سُجن، لكنه لم يتراجع عن مبادئه. في زمنٍ غيّر فيه كثيرون مواقفهم، بقي هو ثابتًا، وفيًا، نزيهًا، صادقًا مع نفسه ومع قضيته.
أيها الرفاق والأصدقاء… نودّع اليوم شيوعيًا نبيلاً، قائدًا أنصاريًا، ورجلًا أحبّه الكثيرون. نودّع رجلًا عاش من أجل الحرية، ومات وهو يحمل حلم العدالة. رحل أبو سربست، لكن سيرته ستبقى منارةً للأجيال، وذكرى عائلته الشهيدة ستظل سلامًا خالدًا في ضمير هذا الوطن.
في الختام، نتقدم بالعزاء لزوجته، لأبنائه وبناته، لأقاربه، لرفاقه، ولكل من عرفه، شكرًا لكل من شارك في هذا التشييع، ولكل من واسانا في هذا الرحيل المؤلم.
وداعًا يا أبو سربست… وداعًا أيها الرفيق الذي لم ينحنِ… وداعًا أيها القلب الذي حمل وطنًا كاملًا بين ضلوعه.
رابطة الأنصار الشيوعيين / فرع ألمانيا