باب البيت يُطرق بقوة، نداءات تشبه الاستغاثة: (يله بسرعة افتح الباب). فتحنا الباب، وإذا بمجموعة من البشر يدخلون بيتنا المشيّد من الطابوق. هم أقاربي، أتوا ليحتموا من وابل الرصاص المنفلت في الشوارع. بيوتهم طينية لا تقيهم من الرصاص. في ذلك الحين، لم أُكمل بعد عامي الخامس. تجمعوا حول المذياع، الخوف والرعب كان واضحاً على وجوههم وهم يصغون للبيانات بدل الأغاني. إذن هناك امر جلل .. سالتُ أمي: يمه شكو شصاير!؟، انهم الاشرار يا بني ..
تتوالى الأحداث وتمر الأيام، والناس لا ينفكوا يتناولون تفاصيل ذلك الحدث المهم. يتهامسون فيما بينهم عن الاعتقالات التي طالت آلاف الشيوعيين، من بينهم بعض الجيران في الشطرة والكثير من أقاربي. كانوا يتحدثون عن حجم التعذيب والتنكيل الذي يتعرضون له، وعن صمودهم البطولي. أنهم أشداء ابطال. أكنت اعرفهم!؟، أناس طيبون، يحبون الوطن ويطالبون بالحق. هكذا بدأ بحثي عن هؤلاء الناس لأكون معهم لبناء مجتمع العدالة والرفاهية في وطني. قرأت الكثير وسمعت اكثر عن حزب الشيوعيين ورفاقه، فأزددتُ حماسا للانتماء الى صفوفهم. قبل انضمامي للحزب، وجدت طريقي إلى اتحاد الطلبة والشبيبة. كان نشاطنا واضحا ومؤثرا وسط الطلبة في الإعدادية الوحيدة في المدينة. وكان للأنشطة الفنية حصة كبيرة، حيث كنت أساهم بفعالية في المسرح والغناء.
بعد ان اتممت تقديم امتحانات البكلوريا، ازدادت ملاحقة الرفاق، وتم اعتقال الكثير من رفاقنا، مما اضطرني للاختفاء. انتقلت إلى بغداد، وعملت صائغ للذهب بالأجرة، وهي مهنة ورثتها عن أبي وعائلتي. بعد ما يقرب من ثلاثة اشهر، استطعت ان أعيد الصلة بالحزب عن طريق اخي الأكبر الذي كان طالبا في كلية الهندسة التابعة لجامعة البصرة، حيث هو الآخر مختفياً في بغداد بعد مطاردة رجال الأمن له. كذلك الأمر ينطبق على ابن عمي الذي عمل موظفا صحيا في احدى مستشفيات البصرة، وقد عرفت أنهما كلفا بمهمة اعادة الصلة مع الرفاق البصريين الذين اختفوا في بغداد. في ذلك الوقت، تم قبولي في كلية الطب البيطري ببغداد، وانتقلت للسكن في القسم الداخلي، مع العلم ان رغبتي كانت ان ادخل الفنون الجميلة، لكن ذلك لم يتحقق لاني لستُ بعثيا.
كُلفت من قبل الحزب بايجاد طريق لإخراج عدد من الرفاق المختفين، والذين تقطعت بهم السبل، فاستطعت عبر احد الأصدقاء، وهو رفيق قديم يعمل سائق في شركة المقاولات التي تقوم ببعض المشاريع على الحدود العراقية السورية. في ذلك الحين كان العبور الى سوريا يتم بالهوية فقط. ومن اجل التاكد من سلامة الطريق، طُلب مني ان اكون اول العابرين.
هربت من القسم الداخلي بعد ان تم اقتحامه من قبل اجهزة الامن لاعتقالي، وسافرت بنفس الطريق. وصلت الى مدينة حماه السورية، ومكثت بعض الوقت عند صديق (رفيق سابق) يدرس بكلية الطب البيطري في المدينة. بقيت على اتصال مع الرفاق في بغداد حتى تم عبور العديد من الرفيقات والرفاق بذات الطريق. انتقلنا من حماه إلى دمشق، وتمكنا من الاتصال بالحزب عبر الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين. من دمشق سافرنا الى لبنان، وفيها تلقينا تدريبا عسكريا مكثفا استغرق عدة اشهر. بعد ذلك عدنا الى سوريا، ثم القامشلي التي انطلقنا منها نحو كردستان العراق عبر الاراضي التركية.
ضمت مجموعتنا خمسة رفاق، مسلحين بالبنادق، ومعنا بغلان محملان بالسلاح. ساعدنا في المسير المهربون ورفاق من حزب (كوك). استغرقت الرحلة حوالي 12 يوما. في اليوم الرابع سرق المهربون خمسة بنادق وهربوا، مستغلين الظلمة الحالكة، ولم يكتفوا بالسرقة، بل نصبوا لنا كمينا، واطلقوا علينا النار، ولحسن الحظ خرجنا سلامات. في اليوم الثاني عشر، وصلنا الى قاعدة بهدنان. كان ذلك في آذار 1980. بعد فترة قصيرة، كُلفت بالعمل مع مفرزة الطريق التي تشكلت توا. في شتاء 1980 تم اعتقال اخي وأبناء عمي وثلاثة من بنات خالاتي، وبعد عام تم إعدامهم جميعا.
تعددت المهام التي كُلفت بها ما بين المفارز والمقرات. في صيف 1982 انتقلت إلى قاعدة (پشت آشان)، وفيها التقيت برفيقة دربي وعمري (جوان). بعد الأحداث الأليمة في القاعدة في آيار 1983، رجعت إلى قاعدة بهدنان في (گلي هصپة)، ومنها إلى سوريا حيث تزوجت. من سوريا توجهنا الى الاتحاد السوفييتي حيث درسنا الطب، ثم استقرينا في الدنمارك.