زيوة الإيرانية، قرية صغيرة نائية، موحشة، مكفهرة وعابسة ولا شيء فيها يبعث على التفاؤل والفرح. لولا الرفقة والتعاضد واللحمة العميقة بين الأنصار، لكان العيش فيها اقرب الى الاقامة في جحيم أسود. مُنحنا بطاقات شخصية (ورقة مقوى عادية صفراء اللون، مستطيلة أو مربعة الشكل، لا أتذكرها الآن بدقة، عليها صورة الشخص واسمه). سهلة التزوير لمن يرغب في ذلك. قال لنا رجال السلطة هناك: "ممنوع علينا ترك القرية" التي تبدو وكأنها جثة مرمية في وحل الزمان، جثة معطوبة ترقد على حافة مرتفعات جبلية خارج دورة الزمان. الهويات هي مجرد وسيلة تعريف بالشخص المعني، ولا تعطينا الحق بترك القرية المصابة بعقم أزلي او التنقل إلى أماكن خارجها.
(زيوة) المكان الوحيد الذي وطأته قدماي ولا احن للرجوع إليه قط. خلّفنا فيها ذكريات صعبة ومريرة، وفيها شهدنا أحداثا، طعم بعضها المج والمر ما زال عالقا بفم الذاكرة. (زيوة)، حيث سلطة الحرس الثوري، مثل إله متكبر ومتجبر، تحكم آمرة ناهية. تدير عجلة الحياة كما يحلو لها، تتقن فنون القمع والترهيب، لعلها تستمد ذلك من فكرة القداسة ومن أمامها المعصوم الذي لا يمكن له أن يُخطيء أبدا.
بعد لأي غامر بعض الرفاق (لا أتذكر اسماءهم)، مستقلين حافلة نقل متوجهين إلى مدينة الرضائية. اجتازوا كل السيطرات الأمنية بنجاح، مبرزين بطاقاتهم الصفراء، تلك التي قال لنا رجال السلطة في زيوة (أن شرعيتها تنحصر في حدود تلك القرية البليدة). فتحت هذه المغامرة الجريئة الأبواب على مصراعيها لجميع الرفاق. فأخذوا بالنزول إلى مدينة الرضائية زرافات ووحدانا.
الرضائية مدينة جميلة، تمتاز ببيوتها الزاهية المعمار، وبحركة دؤوبة متواصلة من القاطنين فيها، وباسواقها الهائلة والمتعددة. ما أن وجدت نفسي في مدينة الرضائية حتى داهمني إحساس قوي، باني عدت من جديد إلى منابع الحضارة، إلى عجلة الزمن المستديرة الفوارة، إلى نكهة الإنسانية والبشرية. شتان ما بين مدينة الرضائية وقرية زيوة!، تلك القرية النتنة، العفنة المتخلفة بكل المقاييس، وكأنها لم تخرج بعد من رحم التأريخ.
الدخول إلى أحد الحمامات الفخمة في مدينة الرضائية، للاستحمام وغسل الملابس، تجربة انسانية يصعب وصفها وفك شفراتها آنذاك. يدلف المرء لوحده في غرفة صغيرة، يتدفق من الانابيب ماء ساخن جدا. هناك، لأول مرة، شعرت أن الجزء الكبير الذي كان مفقودا من انسانيتي، قد عاد للتو واخذ مكانه ثانية في روحي. الحرارة والبخار المتدفقان بغزارة دون انقطاع، يمنحانك إحساسا بلذة غامرة، ويطلقان العنان للخيال الجامح الذي لا حدّ له. كنت سوية مع الرفيقين (أبو علي و ابو سامان). كان أبو علي دليلنا، لأنه سبقنا مع عائلته بالنزول الى الرضائية.
بعد نصف ساعة، أنهيت عمليتي الاستحمام وغسل الملابس، خرجت إلى البهو الفسيح الذي يتصدر الحمام، فوجدت أبا علي جالسا على مقعد وفير. جلست قربه، وتجاذبنا اطراف الحديث بخصوص الحمام وعملية الاستحمام، بينما كنا في هذه الأثناء ننتظر خروج الرفيق (ابو سامان). مرت 15 دقيقة، والرفيق ابو سامان لم تبدو منه اية بادرة توحي بانه سيترك غرفته في الحمام. استشاط ابو علي غيضا، لكني ورغم تذمري المتزايد، طلبت منه التريث قليلا. ولما طال انتظارنا، نهض ابو علي فجأة من مقعده يرعد ويزبد بصوته الجهوري العالي، متجها إلى باب غرفة الرفيق (ابو سامان) يصرخ ويطرق على الباب بكف يده اليمنى بقوة: "لك ماتطلع عاد مو ذبحتنا صارلنه نص ساعة ننتظرك!". المسؤول عن الحمام ركض خلف الرفيق (ابو علي) متوسلا، ان لا يزعج الشخص الذي يتحمم حتى وان كان صديقه الشخصي!. الاّ أن صبر الرفيق (ابو علي) قد نفذ تماما، ولم يأبه بتوسلات الرجل المسكين الذي أخذ على حين غرة، فما كان مني إلا أن نهضت تاركا مكاني واتجهت صوب (أبي علي) الذي استمر بطرق الباب بقوة وهو يصرخ حاثا (ابو سامان) على الخروج الفوري: "لك كافي عاد مو جيفتها!". فجأة أتانا صوت الرفيق ابو سامان ضاحكا صاخبا وفيه الكثير من المزح والسخرية من مرارة الاقدار في آن معا: "أو لويش اطلع متكلي.. هاي وين لا كيها آني.. حتى بعرس امي وبوي ما جان اكو هيجي حمام!!".
حينما تركنا الحمام الفخم، المبهر والساخن، كان الجوع قد ضرب اطنابه، فتوجهنا إلى أحد المطاعم لتناول طعام الغذاء، الاّ أن النقاش حول عدم رغبة الرفيق أبو سامان بترك الحمام، ظلّ شبحه يطاردنا طوال اليوم. ما زلت مقتنعا ان الرفيق (ابو سامان) لو كان ترك لوحده في الحمام لقضى النهار بكامله في داخله، مستمتعا بالماء الحار والبخار الكثيف المنبعث بلا إنقطاع. ان العودة إلى مسار ومقتضيات الحضارة ومتطلبات الحياة الطبيعية، بعد إنقطاع سنوات عجاف وطوال، كان له ضريبته الفريدة أيضا على تفكيرنا وسلوكنا ونفسياتنا. اعتقد جازما أن ذلك هو ما حصل للرفيق (ابو سامان) داخل غرفة الحمام في تلك السويعات من ذلك النهار الغابر الجميل، قبل عقود ثلاثة من الزمن.
النصير الشيوعي العدد 44 السنة الرابعة آذار 2026