النصير جعفر حسين عباس (أبو آمال) يجيب على اسئلة النصير الشيوعي
" النصير (ابو آمال) من اوائل الملتحقين بـحركة الانصار في (كَلي كوماته)، وواحد من مقاتلي المفرزة التي افتتحت مقر (كَوستا). أصيب في احد المعارك التي خاضها الانصار والبشمركة ضد الجحوش في قاطع اربيل 11 حزيران 1980. حوصر لمدة 20 يوما مع احد رفاقه في منطقة وعرة وخطرة بلا خبز ولا طعام اثناء الهجوم الذي شنته قوات (اوك) على مقرات الانصار في (بشتاشان) "
النصير الشيوعي: نود ألاطلاع على نبذة مختصرة عن النشأة والبدايات الأولى للنصير أبو آمال؟
-- نشأتُ وسط عائلة كبيرة معروفة في السماوة، هي عائلة الحاج حسين عباس. والدي تاجر حبوب ميسور الحال، وله أربع زوجات. والدتي الثالثة بينهن، ولها 7 أبناء كنت أوسطهم. لم تدم سنوات الاستقرار طويلاً، فقد توفي والدي وأنا في الثامنة من عمري، وتبددت ثروته لأسباب مختلفة، حينها دخلت عائلتنا مرحلة صعبة مليئة بالحرمان والمشقة. في تلك الأيام كانت كل عائلة تعتمد على نفسها في تدبير معيشتها، وكان علينا أن نقاوم الظروف بما نستطيع. دخلت سوق العمل منذ نعومة اظفاري، أساعد أخي في متجره بعد الدوام المدرسي، كما جرّبت أعمالاً كثيرة: بيع الرقي والخضروات، العمل في البناء ايام العطل في الصيف والشتاء، لتأمين احتياجات الدراسة. أما والدتي فكانت تعمل في خياطة الإزار لتوفر لنا ما نعيش به.
عندما انتقلت للدراسة الثانوية، كان أغلب أصدقائي من اليساريين والشيوعيين، وتأثرت بطروحاتهم، كما اندفعت نحو قراءة الروايات والادبيات الماركسية، لكن علاقاتي بقت بحدود الصداقة والنشاط الاجتماعي (السفرات، والتجمعات النقاشية التي ساهمت بتشكيل وعيي)، ولم تتطور الى ارتباط تنظيمي.
انهيت دراسة الاعدادية، وقبلت في كلية الزراعة بجامعة البصرة. اخترت هذا المجال لرغبتي في تطوير الزراعة في العراق، خصوصاً زراعة الحنطة لضمان الخبز للفقراء. في الجامعة بدأت علاقتي التنظيمية الأولى من خلال اتحاد الطلبة العام، وشاركت في النشاطات الثقافية والاجتماعية والبرامج الترفيهية، لكن ذلك توقف عام 1975 بسبب قرار التجميد السيء الذي شمل اتحاد الطلبة العام، واتحاد الشبيبة، ورابطة المرأة العراقية. تخرجت من الجامعة سنة 1975–1976.
النصير الشيوعي: ذكرت بانك تخرجت من الجامعة للعام 1975 – 1976، هل عملت في مجال اختصاصك وماذا بعد؟
-- للاسف لم اعمل مباشرة بعد التخرج، بل ذهبت لاداء الخدمة العسكرية الإلزامية، ومدتها سنة ونصف لخريجي الكليات. في تلك الفترة لم تكن لدي ارتباطات تنظيمية، انما علاقات اجتماعية مع شباب المنطقة والجيران.
ما ان انهيت الخدمة العسكرية، توظفت في منتصف 1978 مدرسا في إعدادية زراعة المثنى. تحسن وضعي الاقتصادي، حيث تقاضيت راتباً قدره 80 ديناراً شهرياً، أعطيت نصفه لوالدتي وفاءً وتقديراً لسنوات تعبها، واستمريت أيضاً بمساعدة أخي الكبير في المحل. ومع بداية الاستقرار، فكرتُ بالبحث عن شريكة لحياتي. في تلك الفترة، دعاني صديقي وزميلي في اتحاد الطلبة الرفيق على هادي (أتمنى له الصحة)، لحضور اجتماع لمجموعة اصدقاء باشراف الرفيق الأستاذ أنور طالب، ذلك الرجل الطيب والمحبوب من الجميع، والمخلص في عمله. أعتقد أنّ ذلك الاجتماع كان في أوائل عام 1978، وكان بداية ارتباطي الحزبي الحقيقي. تزامن ذلك مع الهجمة التي راحت تشتد يوما بعد اخر ضد الحزب الشيوعي العراقي، والتي استخدم فيها النظام جميع اساليب الترغيب والترهيب من أجل السيطرة الكاملة على جميع مناحي الحياة في العراق، والتمهيد لظهور الدكتاتور صدام الوحش الهمجي على رأس السلطة.
بعد ان مضت فترة قصيرة على اجتماعنا المذكور، تفرق الرفاق، (فص ملح وذاب)!، حينذاك تبدلت جميع خططي في ايجاد شريكة حياتي!، ورحت ابحث عن الحزب. في نفس الوقت، اشتدت الحملة الوحشية ضد الشيوعيين، واستخدمت السلطة مختلف الاساليب من اجل السيطرة على جميع مناحي الحياة، مما جعل البحث عن الرفاق صعبا جدا. وبالرغم من محاولاتي للوصول إليهم في السماوة وبغداد والسليمانية، إلا أن كل جهودي باءت بالفشل.
في احد الايام، أبلغني مدير اعدادية المثنى كريم حران، برغبة مدير التربية عدنان الخطيب في لقائي من دون توضيح اسباب اللقاء. عندما ذهبت للمقابلة، طلب مني مدير التربية الانتماء لحزب البعث، مؤكدا ان التعليم مغلق للبعثيين فقط!. رفضت ذلك واصريت على استقلاليتي، مكتفيا بتدوين ورقة خطية اتحمل فيها المسؤولية عما اقول.
بعد ان ضاقت الدائرة علينا، فكرت في البحث عن الحزب خارج العراق. حصلت على امر اداري من مديرية التربية، وقدمت لنيل جواز سفر، وما نلته حتى سافرت الى سوريا عبر الطريق البري بتاريخ 2 أو 3 شباط 1979، وهو بداية العطلة الشتوية التي تمتد لاسبوعين، بعد ان هيات كا مستلزمات السفر والوثاق الرسمية وانجزت كل مهماتي الوظيفية قبل ان اغادر. لم اترك احد يتأثر من سفري، ما عدا امي التي كذبت عليها عندما اخبرتها باني في سفرة سياحية وساعود، فطلبت ان اجلب لها عباءة سورية!.
فكرت بعدم العودة الى العراق حتى سقوط النظام الصدامي، واضعا ذلك المشهد المؤلم امام عيني، (تلميذ مدرسة متوسطة، يعتدي بالضرب المبرح وبكل همجية وحقد وسط السوق على معلمه، لا لسبب الا لانه شيوعي وان التلميذ بعثي ومجند لدى الاجهزة الامنية، اما الناس فكانوا يكتفون بالنظر غير قادرين على ايقافه).
النصير الشيوعي: سافرت الى عدة بلدان، هل لك ان تحدثنا عن ظروف رحلتك الطويلة؟
-- المحطة الاولى في سوريا، ولما لم اجد رفاقي هناك، غادرتها بعد فترة قصيرة متوجها الى الاردن. قبل ذلك حاولت السفر من سوريا الى لبنان لكني لم انجح. في الاردن سمعت عن تجمع للشيوعيين في بلغاريا، فسافرت اليها، وهناك التقيت بعدد من رفاق السماوة (رؤوف حسين الحلاوي، رحيم الحلاوي وهو صديقي، رزاق علي). بقيت في بلغاريا حتى منتصف الشهرالسادس 1979، قدمت خلالها مساعدات كثيرة جدا للرفاق، كما واجهتنا الكثير من المشاكل خاصة مع الطلبة المرتبطين بالسفارة العراقية. في بلغاريا كانت امامي عدة خيارات: (البقاء فيها للدراسة ونيل شهادة الدكتوراه، خاصة وان وثائقي الرسمية مترجمة ومصدقة ومكتملة، او السفر الى الجزائر للعمل، او اختيار بيروت والعمل مع المنظمات الفلسطينية والتدريب على السلاح، فاخترت بيروت).
وصلت ومجموعة من الرفاق الى هناك في منتصف حزيران 1979. امضينا اربعة اشهر في معسكرات الجبهة الديمقراطية في (الناعمة) و قرية (خربه روحه)، تدربنا خلالها على مختلف انواع الاسلحة الخفيفة والمتوسطة والمتفجرات. عندما اصبحنا جاهزين، ابلغونا الرفاق بالتوجه الى كردستان. كنا خمسة رفاق: (الشهيد أبو سلمى، أبو وفاء، أبو نغم، أبو عدنان، أبو آمال).
غادرنا لبنان الى سوريا، وهناك التحق بنا الرفيق الشهيد غسان عاكف (د. عادل)، ليصبح عددنا 6 انصار. دخلنا الى تركيا من معبر (باب الهوى)، ثم معبر (نصيبين)، ثم الى مدن وقرى وجبال تركيا بمساعدة الادلاء من حزب (كوك). في القرى التي مررنا بها حصلت معارك بينهم وبين الجندرمة، كما تعرضت السيارة التي تقل الرفاق (ابو سلمى، د. عادل، ابو عدنان) الى حادث أُصيب على اثره النصير ابو سلمى بجروح خفيفة. إنتظرنا حتى وصلت سيارة أخرى نقلتنا الى قرى قريبة من الحدود. بعدها بدأنا بالسير على الاقدام، ورغم التعب والطرق الوعرة، الاّ أنّ معنويات الرفاق عالية. لما اخبرنا الدليل بوصولنا ارض العراق، ابتهجنا كثيرا، ورحنا نقبل التراب. وصلنا الى أول قاعدة أنصارية في (كلي كوماتة) في 20 / 10 / 1979.