قد يتصور البعض أن الاحتفال بيوم تأسيس الحزب هو تقليد مستوحى من التقاليد الدينية، ربما هناك جانب من الصواب في هذا الرأي، ولكن الشيوعيين العراقيين حين يحتفلون بيوم تأسيس حزبهم، يكون ذلك من أجل تجديد العهد على مواصلة النضال، فقد كان الشيوعيون يحتفلون بهذه المناسبة، في السجون، والبيوت السرية، والمنافي، وحركة الأنصار، ولكي لا نشط كثيرا، سأروي عن احتفالنا حين كنا في (گلي كوماته) عام 1981، وروايتي لهذا الاحتفال تحمل في داخلها تعرضا لمفهوم يبدو كان شائعا (وربما ما زال)، وهو أن الخروج على القرار الرسمي يعني انك تقف بالجهة الاخرى من الحزب!.
في شباط عام 1981، عادت المفارز إلى مقر (كوماته) بقرار من قيادة القاطع وذلك لأجل اعادة التشكيل، وصادف آنذاك بناء سجن في كوماته لبعض المتهمين الذين ارسلتهم السلطة للاندساس في الحركة الأنصارية، فاختارت القيادة مجموعة من الانصار لتقوم بعملية حراسة السجناء، وهم (ابو تحسين، ابو حسنة، ئاشتي، ابو زهرة، ابو زياد، الشهيد ابو ازدهار، وابو مسار). كنا ننام في غرفة السجن ولا يفصلنا عن السجناء غير حائط حجري بنيناه في حينها. في بداية شهر أذار تشكلت فرقة غنائية استعدادا للاحتفال بعيد الحزب، وبما أن صوت النصير ابو زهرة عذبا تمت أضافته إلى المجموعة الغنائية (المركزية)، والتي كانت برئاسة الفنان أبو النور، لهذا اعفي ابو زهرة من الحراسة النهارية بحكم التدريب على الغناء، وبما ان مهمتنا تتطلب عدم مغادرة القاعة إلا للأمور الضرورية، لهذا اقترح الرفيق ابو حسنة أن نشكل نحن فرقة خشابة ونحتفل في السجن بذكرى تأسيس الحزب، وأن تكون حفلتنا في السجن بصراوية المحتوى والشكل، وتيمنا بالمثل الشعبي (كاولي ومعرس ابنه)، قام النصير أبو حسنة بصنع المراويس والطار بمساعدة وصفي الخبير في صنع الزنجاري بحكم عمله، وقد اشتغلت قريحتي فكتبت أغنيتين على الحان شائعة الأولى كانت كلماتها:
نحمي الحزب وأسراره....من نحمل الغدارة
صامد حزبنه وباقي.....وتسلم جهود أنصاره
عدنه عزم جيفارا....ومن هوشي منه أصراره
وعدنه فهدنه الخالد.....مستلهمين أفكاره
بغداد الچ بگلوبنه....یکبر عشگنه وشوگنه
انت كمرنه الغالي....يزهي ويشع بأنواره
وكانت هذه الاغنية على لحن هيله هلا هل هلا هيله، أما الأغنية الثانية والتي كانت على لحن خليجي فهي( لا اتذكر كلماتها كاملة)
يا حزب يوسف حبك بينه لاح
يا حزب الامجاد بفكرك نهتدي
في عيدك اليوم تكبر فرحتي
أقترح ابو حسنة أن نكتب كلمات على أغنية على (شطي بحر الهوى) وتغنيها فرقة الخشابة البصرية، ولكن أغلب كلماتها غزل بالمذكر، لهذا اضفنا مقطعين أنا وابو حسنة لهذه الاغنية. انتشر خبر هذه الفرقة في جميع انحاء (گلي كوماته)، وكانت حقا رغبتنا أن نحتفل في غرفة السجن خاصة بعد أن وصل إلى أسماعنا خبرا مفاده أننا ننوي شق فرقة الحزب!، تجاهلنا الأمر وواصلنا تدريباتنا على الاغاني بقيادة ابو حسنة (بعد ذلك سميت الفرقة للمزاح بوني حسنه)، وفي يوم الحفل لا ادري من اين حصل لنا قائد الفرقة على (دشاديش)، حين توافد الرفاق إلى قاعة الاحتفال في السرية الثانية، لم نحضر معهم بحكم مهمتنا، ولكن الفقيد ابو يوسف (المستشار السياسي للقاطع)، طلب حضورنا فدخلنا ونحن نرتدي الدشاديش وجلسنا جانبا، بدأت الفرقة الرسمية الغناء، فكانت الاستجابة لها من قبل الجمهور ضعيفة، بعد أن قدموا أغانيهم، طلبنا من عريف الحفل أن نساهم نحن، أخرجنا الآلات الموسيقية وبدأنا الغناء، فأنضم قسم من رفاق الفرقة الرسمية إلينا، وتحول الاحتفال إلى موجة من الفرح عمت كل وادي (كوماته) في تلك الليلة، وعلى طريقة الأنصار قمنا بحفلة تصحيحية ساهم بها الفقيد ابو عادل، والفقيد ابو يوسف وأغلب رفاق القاعدة إلى ما بعد منتصف الليل.