لم يكن الانتقال من موسكو الى تلك البقعة الوعرة مجرد تبدّل في المكان، بل كان عبورا خفيا من حياة الى أخرى، من إيقاع المدن الباردة المنظمة الى فوضى الجبال التي تخبئ في صمتها كل شيء: الخطر، اليقين، والوهم أيضا. ومع ذلك، لم أشعر بالغربة طويلا. منذ الأيام الأولى، وجدت نفسي مندمجاً في تفاصيل العمل مع المجموعة التي تدير إعلام المكتب العسكري المركزي، كأنّ الانخراط وسيلتي الوحيدة لترويض هذا التحول الحاد في حياتي.
وحين انتقلت إلى (بشت آشان)، لأدرّس الفلسفة في المدرسة الحزبية، بدأ الإحساس بالانتماء يتجذر في داخلي أكثر. هناك، بين الوجوه المتعبة والعقول المتوثبة، لم تكن الفلسفة مجرد مادة تُدرّس، بل كانت محاولة لفهم هذا الواقع القاسي، وتبريره أحياناً. كنا نعيش على حافة الخطر، نعم، لكننا تعايشنا معه كما يتعايش الجسد مع جرح قديم، لا يلتئم تماماً ولا يمنع صاحبه من الاستمرار.
إلى أن جاء الأول من أيار 1983، ذلك اليوم لم يكن مجرد تاريخ، بل صدعاً في الوعي. هجوم غادر، مباغت، جاء من حيث لم نكن نتوقع، من طرف كان قبل أسابيع فقط يتحدث عن علاقات استراتيجية معنا. في لحظة واحدة، انهار ذلك السقف الواهي من الطمأنينة الذي احتمينا به. سقط رفاق لنا، استشهدوا قبل أن يدركوا حتى كيف انقلب المشهد، وتحولت مواقعنا إلى فوضى من الدم والذهول.
لم يكن أمامنا سوى الانسحاب. عبرنا جبل قنديل، وكأننا نعبر داخل أنفسنا أيضاً، نحمل معنا الخسارة والمرارة، حتى وصلنا إلى الأراضي الإيرانية، ثم إلى لولان في أربيل. هناك، بدأنا نلملم ما تبقى: من أنفسنا، ومن إيماننا.
وسط كل ذلك، كان الإعلام ملاذي. انغمست فيه أكثر، لا فقط كعمل، بل كطريقة للهروب من ثقل الذكريات. شيئاً فشيئاً، بدأت موسكو تتراجع في داخلي، لا لأنها فقدت بريقها، بل لأنني تعمدت أن أضع بينها وبيني مسافة. كنت أخشى أن تستدرجني تلك الأيام الناعمة، أن تضعف قراري الذي اتخذته بترك حياة مدنية مريحة إلى طريق لا يعرف إلا القسوة.
كتبت، عملت، استنزفت وقتي وجهدي في كل مهمة تُسند إليّ. حتى صدر لي كراس بعنوان: "راية وبندقية وفجر آت". كنت أردد في داخلي أن المضي إلى الأمام هو الخيار الوحيد، وأن العودة ليست سوى فخ للحنين.
لكن الحياة، كما يبدو، لا تكتفي باختبار واحد. في نهاية صيف 1984، وبعد اجتماع اللجنة المركزية في لولان، استدعاني الرفيق أبو سامي. كان صوته هادئاً، لكن كلماته حملت ما يشبه الانقلاب الصامت في مصيري. قرار حزبي: مهمة في لندن. الطريق طويل ومعقد، من كردستان إلى إيران، ثم إلى بلد آخر، وصولاً إلى المملكة المتحدة. لكن الأهم من ذلك كله، كان الشرط: أن أبدو وكأنني غادرت بإرادتي، أن أقطع علاقتي بالحزب ظاهرياً، وأن أعتمد على نفسي بالكامل.
ترددتُ. لم يكن الأمر مجرد انتقال جغرافي، بل اقتلاع من ساحة الأنصار التي أصبحت جزءاً من كياني. كيف أتركهم؟ وكيف أبدأ وحيداً في عالم آخر؟ حتى صديقتي الروسية (إيرينا) التي صارحتها يوماً بصعوبة العودة، بدت الآن أقرب من هذا المصير المجهول. لكن القرار كان قد صدر.
وفي منطق تلك المرحلة، لم يكن هناك متسع كبير للأسئلة. . (نفّذ، ثم ناقش)، هكذا، وجدت نفسي مرة أخرى أمام مفترق حاد، لا يشبه ما قبله، لكنّه يحمل ذات الإحساس القديم: أن الحياة تمضي بي دائماً نحو المجهول، وأن عليّ، في كل مرة، أن أتعلم كيف أبدأ من جديد.