"تسعى جريدة النصير الشيوعي إلى توثيق تجربة الأنصار الشيوعيين العراقيين بوصفها واحدة من أبرز محطات النضال السياسي والعسكري في تاريخ العراق المعاصر، لما تحمله من تضحيات ودروس إنسانية ووطنية عميقة. ومن هذا المنطلق، تحرص الجريدة على إجراء لقاءات حوارية مع عدد من الأنصار الذين خاضوا تلك التجربة، بهدف نقل شهاداتهم الحية وتثبيت وقائعها في الذاكرة الجمعية. ويأتي هذا الحوار مع النصير كفاح حسن (ملازم كريم) ضمن هذا المسعى التوثيقي، حيث يسلط الضوء على تفاصيل مهمة من مسيرته في صفوف الأنصار، منذ إلتحاقه وحتى مشاركته في أبرز المعارك والأحداث. كما يعكس اللقاء طبيعة الحياة اليومية للأنصار، والتحديات التي واجهوها في ظروف قاسية ومعقدة. إن مثل هذه الشهادات تمثل مصدرا غنيا لفهم أعمق لتجربة الأنصار، وتساهم في حفظ إرثها للأجيال القادمة".
جريدة النصير الشيوعي: نود أن تحدثنا عن بداياتكم مع حركة الأنصار.
التحقت بفصائل الأنصار في مطلع أيار 1983 مع مفرزة من الرفاق الملتحقين من الخارج، بقيادة الشهيد أبو هديل. فور وصولنا إلى مقر قاطع بادينان، شاركنا في معركة ضد قوات الجيش التركي التي دخلت الأراضي العراقية بموجب اتفاق مع السلطة آنذاك، بمساندة بيشمركة الحزب الديمقراطي الكردستاني. استشهد خلالها النصير أبو فكرت، كما أصيب أحد رفاقنا بعد سقوطه من قطع صخري.
النصير الشيوعي: هل ساهمتم في معارك (بشت ئاشان)؟
بعد المعركة، تحركت المفرزة نحو (سوران) بقيادة النصير (أبو صليحة)، للالتحاق بفصائل الأنصار المنسحبة من معارك الاقتتال الداخلي سيئة الصيت. وهناك تم توزيعنا على فصائل الأنصار المتواجدة. وكان نصيبي العمل في فصيل (ملازم خدر). كلفت فيه بمسؤولية حضيرة المدفعية، وتسلمت مدفع مضاد للدروع – ب 10 – ومدفع هاون جبلي صغير، وساهمت مع الفصيل في معركة (بشت ئاشان) الثانية في مطلع أيلول 1983.
أديت مع رفاق الفصيل عدة مهام خلال المعركة، الاّ ان ضعف الخطة والقيادة العسكريتين، اضطرتنا الى الانسحاب من ساحة المعركة، تاركين هناك عدد من الشهداء، من بينهم ملازم جواد الذي إلتحق معنا في فصائل الانصار.
النصير الشيوعي: اين كانت منطقة عملكم الانصاري؟
بعد الانسحاب، إلتحقت بقوات الأنصار في قاطع أربيل، حيث توجهنا الى منطقة (بارزان) عند جبل شيرين، بعد أخذ موافقة البارزانيين على فتح مقرات لنا في مناطقهم المهجورة. وكلفت مع النصير مام عجيل والنصير حميد – أزهر المظفر – بتأسيس مقر للأنصار في قرية (ئاسته) المهجورة المطلة على الزاب خلف الطريق الرابط ما بين (ريزان) و(بارزان). وبمرور الوقت تحول هذا المقر الى مكان لعدد من سرايا القاطع.
في ربيع 1984، انتقلت للعمل في مكتب سرية (خوشناوتي) مع النصيرين الشهيد بكر جولا والملازم أبو نورس. عملت هذه السرية في منطقة جغرافية واسعة، تبدأ من قصبة عينكاوة وسهل برانتي ومدينة بحركة ومدينة وسهل حرير وحتى مدينة شقلاوة وسفوح جبل سفين.
في حزيران من نفس العام، تجمعت سرايا القاطع في مفرزة كبيرة بهدف الوصول الى جماهير الحزب في سهل أربيل والسهول المجاورة له، ولكن حجم المفرزة الكبير الذي يتنافى مع شروط حرب العصابات، جعل هذه المفرزة هدف سهل لأعدائها. فوقعت المفرزة في كمين معادي عند قرية (حجران). خاض الانصار معركة دفاعية بطولية، متصدين للكمين، وتمكنوا من الانسحاب الى عدة جهات، منها المجموعة التي تسلقت سفوح جبل سفين الصخري، وتعرضت لحصار شديد وسط ارتفاع درجات الحرارة والعطش. استشهد عند عين الماء أربعة أنصار قبورهم موجودة عند مزارع (حجران). بعد ذلك، عادت السرية الى نشاطاتها العسكرية والجماهيرية بالتنسيق مع المنظمات الحزبية في المنطقة. نجحنا في تشكيل مفرزة بارتزانية مشتركه مع منظمة الحزب في حرير وباليسان. استطاعت ان تتغلغل داخل صفوف العدو، واكدت هذه المفرزة أهمية الالتزام بشروط العمل البارتزاني. استمرت السرية في نشر مفارزها في منطقة عملها سواء في المدن او في الأرياف.
خلال فترة استراحتنا في منطقة (بارزان)، فوجئنا بمفرزة كبيرة من البارزانيين ومسلحي البازدار الإيراني بقيادة الشيخ محمد خالد البارزاني تنذرنا بترك المنطقة فورا، لان الأرض مقدسة لا مكان فيها للكفرة. رافعين شعار ظهر الحق وزهق الباطل. ووصلنا امر من قيادة الحزب بترك المنطقة وعدم الاصطدام مع القوة المهاجمة. لهذا قررنا ترك المنطقة. وعبرنا الزاب نحو القرى الزيبارية التي استقبلتنا بترحيب شديد وفتحوا لنا بيوتهم.
بعد مساهمتي مع وفد أنصار قاطع أربيل بالمؤتمر الرابع للحزب، تم نقلي للعمل في مكتب سرية كويسنجق مع الرفيقين محمد الحلاق وحاجي بختيار. صادف اثناء عملنا توقف معارك الاقتتال الداخلي بين البيشمركة والا نصار. ساهم ذلك في تعزيز العمل المشترك ما بين فصائل المعارضة المسلحة، حيث قمنا بمعارك دفاعية مشتركة ضد اعتداءات مسلحي السلطة في ايلنجاغ وبنه باوي.
قمنا بنشاطات عسكرية داخل مدينة كويسنجق، الى جانب السيطرات العديدة التي نصبناها على الطريق ما بين أربيل والكوي وطقطق. وفتحنا مقرا للسرية في وادي سماقولي، الذي أصبح مقرا جماهيريا يعج بالزائرين والملتحقين.
النصير الشيوعي: كيف اصبح العمل الانصاري بعد حملة الانفال سيئة الصيت؟
في خريف 1988، بدأت حملة الانفال الظالمة التي شنتها السلطة وعملائها لتحطم ريف المنطقة. وقد انتقلت مفارزنا الى العمل البارتزاني بمفارز صغيرة سريعة الحركة والتنقل. وإعادة عدد غير قليل من الأنصار الى المقرات الحدودية الخلفية. ومع حلول الشتاء، تجمعت مفارز الكوي وبتوين وشوان في مقر بارتزاني عند سفح جبل (كوسرت) المطل على بحيرة دوكان. ولكن بسبب خيانة داخلية، علمت السلطة بهذا الموقع، لتشن هجوم عليه في فجر الخامس من اذار من عام 1989. واستشهد في هذا الهجوم نصيرين وجرح اخر بجرح بليغ في ساقه.
بعد معركة كوسرت، قررنا الانسحاب نحو المقرات الحدودية بسبب صعوبة البقاء في مناطق شاسعة مفرغة من ساكنيها. فكانت منطقة ناوزنك اخر محطة لي في حركة الأنصار. حيث تركتها في خريف عام 1991.
النصير الشيوعي: ماهي اهم القضايا الإنسانية التي ظلت عالقة في ذاكرتكم؟
لقد عشت حياة جميلة وسط سهول ووديان وجبال كردستان. حيث تعلمت اللغة الكردية وبعض من لهجاتها. كما ان معايشتي لحياة الفلاحين والرعاة منحتني خزين كبير من الادب الشعبي من الحكايات والامثال. كما تعرفت على العادات والتقاليد السائدة. وتعرفت على الخيط الرابط بين عادات وتقاليد ريف الفرات الأوسط والريف الكردي، فهناك الكثير من الأمو ر والهموم المشتركة.
النصير الشيوعي: ماهو تقيمكم لتجربة الأنصار الشيوعيين العراقيين ؟
وانا هنا لست بصدد تقييم تجربة حركة الأنصار. فالتقييم عمل جماعي، يأخذ بنظر الاعتبار ظروف تشكيل الحركة واستمراره، وتاريخ هذه الحركة من الطبيعي ان يحتوي نجاحات وانكسارات، وعوامل دافعة وأخرى مانعة. لكن تبقى هذه الحركة مفخرة من مفاخر الحز ب الشيوعي واليسار العراقي.
في ختام اللقاء تتقدم هيئة تحرير جريدة النصير الشيوعي بالشكر الجزيل للرفيق النصير كفاح حسن لاتاحتة فرصة اللقاء متمنين له دوام الصحة والعطاء.