"ودعت أغلى الأحباب
وسافريت
وشكبنيت همومي وجروحي
ومشيت"
في فترة الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، عجّت مدينة الثورة بالنشاطات الجماهيرية المتنوعة (الاجتماعية والرياضية والفنية)، وكانت الشبيبة الديمقراطية ومنظمات الحزب الشيوعي العراقي لها دور مميز في هذه النشاطات، إذ أولت اهتماما خاصا بهذا النوع من الفعاليات وعملت على توسيعها ونشرها بين صفوف الشباب. تجلّى ذلك من خلال تنظيم السفرات والاحتفالات والمسابقات المختلفة وغيرها من الأنشطة التي لاقت إقبالا واسعا من قبل ابناء المدينة. نشطت وغيري من الرياضيين في هذه المجالات، وقمنا بتنظيم دورات لكرة القدم على مستوى المدينة التي كانت تضم فرقا شعبية كثيرة. كذلك تنظيم سفرات ترفيهية إلى المناطق السياحية في المحافظات، والمشاركة في حفلات الأفراح مثل الأعراس وحفلات التخرج.... إلخ. النشاطات الواسعة هذه، أغاضت البعثيين واثارت سخطهم، خاصة وانهم يعانون من عزلة جماهيرية في مدينة الثورة، مما دعاهم الى ملاحقة الشيوعيين النشيطين فيها.
تعرضت للمضايقة من قبل البعثيين بسبب نشاطي، ثم سُجنت لمدة سنتين بتهمة ملفقة هي (الأعتداء على مدرب نادي الجيش وضربه). كذلك تعرض لهذه المضايقات اللاعبان المعروفان الشهيد بشار رشيد والراحل كاظم عبود وأخرين. لفقت للبارزين في هذه النشاطات عدة تهم، منها التنظيم العسكري والطلابي وفي أوساط الشباب، خاصة بعد أن وافق الحزب على حل المنظمات اثناء قيام الجبهة مع البعث، مما اعطى البعثيين ذريعة لاعتقال الشيوعيين وأصدقائهم.
أُعتقل اللاعب (بشار رشيد)* ومجموعة اخرى أغلبهم من الرياضيين، وحكم عليهم بالاعدام بتهمة التنظيم الشيوعي داخل الجيش، ونفذ الحكم في أيار 1978. بعد ذلك أشتدت المضايقات والمتابعة لكل من له علاقة بهذه المجموعة، وأقصد المجموعة التي إعدمت مع بشار رشيد. وقد اخبرني أحد أقاربي من البعثيين إن أسمي أخذ يتردد بينهم في شعبة الثورة، وهناك توجه لديهم لاستدعائي وتوجيه نفس التهمة التي وجهت للشهيد بشار ومجموعته، لذا عليّ الحذر وترتيب وضعي للاختفاء في الأيام القادمة أو تقديم إجازة من العمل والسفر حتى تهدأ الأمور، ولكن الهجمة أصبحت عامة على أعضاء الحزب الشيوعي وأصدقائه.
بعد فترة قصيرة تعرضت لاطلاق رصاص من سيارة جاءت مسرعة عند عودتي للبيت حوالي الساعة الواحدة ليلا أمام ثانوية قتيبة التي لا تبعد عن بيتنا سوى مئة متر فقط، الا اني لم أصب بأذى رغم وقوع الرصاصات بالقرب مني. أبلغت الحزب بذلك وأمرني بالاختفاء فترة، ومن ثم التفكير في السفر خارج العراق، خاصة وانا أملك جواز سفر أخرجته سنة 1977، وسبق لي ان سافرت بواسطته الى بلغاريا.
ودعت زوجتي وبناتي، نغم التي كانت في الثالثة من عمرها، و رنا التي كانت في عامها الأول. كنت قد شرحت لزوجتي كل شيء على أمل أن نلتقي عندما تتحسن الظروف!، لكن ذلك اللقاء لم يحدث إلا بعد سقوط النظام الفاشي، أي أن فراقنا استمر خمسة وعشرين عاما.
رتبت أموري وسافرت لقضاء إجازتي الصيفية الى بلغاريا وهنغاريا ورومانيا، وكان لهذا القرار أثر كبير في خدمتي. وصلت الى بلغاريا في الشهر الثامن من عام 1978، علما باني قطعت تذكرة سفر ذهابا وإيابا للتمويه.
كنت أعرف سيدة بلغارية سبق وان أجّرت شقتها لصديق لي خلال رحلة عام 1977، فتوجهت إليها مباشرة. رحبت بي، وأقمت عندها بعد أن قامت بتسجيلي رسميا كمستأجر.
هكذا بدأت مرحلة جديدة، مرحلة الصراع مع الغربة. عند وصولي الى بلغاريا، كنت أحمل رسالة من الحزب الى رفيق مسؤول في هنغاريا يُدعى عبد الحسين شعبان، وكان ينبغي أن يساعدني عند التواصل معه، بحسب ما قيل لي. وبعد يومين، سافرت بالقطار من بلغاريا الى هنغاريا للقاء هذا الرفيق وتسليمه الرسالة. لم أكن أعرفه من قبل، لكنني تعرّفت عليه عند وصولي الى بودابست، ويا ليتني لم أفعل.
وصلت الى عنوان سكن عبد الحسين شعبان، طرقت الباب، قدمت نفسي، سلمته الرسالة، قرأها وأنا مازلت واقف عند الباب دون أن يكلف نفسه بالقول "تفضل أو حمدا على السلامة"!، ثم قال لي: (ترى الجبهة بعدها بخير ما هذا التطير)، واردف قائلا: عد الى بلغاريا أفضل!. لم أنسَ ذلك طوال عمري.
عدت الى بلغاريا ومكثت فيها بضعة أشهر، ثم أبلغني الحزب بضرورة التوجه إلى بيروت للتدريب هناك، ومنها الى كردستان. وبالفعل، سافرت مع مجموعة من الرفاق بعد أن رتّب الحزب تفاصيل الرحلة. استقبلتنا الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين في مطار بيروت. في ذلك الوقت، كانت بيروت تشهد اشتباكات عنيفة بين الفصائل التي كانت تسيطر على المدينة.
بدأت مرحلة جديدة من مسيرة النضال، حياة مختلفة تماما عمّا سبقها، أقرب الى الطابع العسكري، عشتها وسط الفصائل الفلسطينية المتعددة، التي كانت تعيش صراعات فيما بينها، تصل أحيانا الى الاقتتال عند تعارض المصالح. في ظل أجواء الحرب التي كان يعيشها لبنان، وما رافقها من ظروف قاسية ومعقدة، كان لزاما علينا أن نحافظ على أنفسنا الى أن يحين موعد انتقالنا الى كردستان.
بعد أن أنهينا تدريبنا الذي إستمر لعدة أشهر في لبنان، أخبرنا الحزب بضرورة الاستعداد للتوجه الى كردستان العراق والالتحاق بصفوف الانصار لمقاومة سلطة البعث الدكتاتورية بعد ان قرر الحزب مضطرا رفع السلاح بوجهها.
سافرت مع مجموعة تضم خمسة رفاق من بيروت الى سوريا، ومنها الى كردستان العراق عبر الاراضي التركية حسب الخطة المرسومة لنا من قبل الحزب. وصلنا الى (گلي كوماته) في الشهر العاشر من عام 1979، بعد رحلة طويلة مليئة بالأحداث التي لا مجال لذكرها الان. بدأنا إسلوب نضالي جديد وحياة جديدة مختلفة عن ما عشناه سابقا، حياة الأنصار الشيوعيين وما تحمله من معاني سامية ومن شموخ وفخر رغم قساوتها وظروفها الصعبة.
..........................................
* الشهيد بشار رشيد، لاعب كرة قدم عراقي، وُلد عام 1949 في مدينة الديوانية، ونشأ في بغداد بعد انتقال عائلته اليها. بدأ مسيرته الرياضية مع الفرق الشعبية والمدرسية قبل أن تبرز موهبته كمهاجم ناجح ويلتحق بمنتخبات العراق المختلفة.
حقق إنجازات مهمة مع المنتخب العسكري، أبرزها الفوز ببطولة العالم العسكرية عام 1972. كان من هدافي الفريق، كما لعب في عدة أندية عراقية متميزة: مثل السكك الحديد، والقوة السيارة، وآليات الشرطة.
اعتقل ومجموعة اخرى معظمهم من الرياضيين، تتكون من 22 شيوعيا وصديقا للحزب، وحكم عليهم بالاعدام بتهمة التنظيم الشيوعي داخل الجيش. هكذا اقترفت اجهزة البعث القمعية جريمة كبرى باعدام هؤلاء الشباب في أيار 1978.