بعد المواجهة الحادة بين السياسة الاجرامية لحزب البعث، عقب إعدام مجموعة من الشيوعيين وما أثاره ذلك من اعتراض داخل الحزب، وبين مخرجات المؤتمر الثالث للحزب التي طالبت باجراءات دستورية، بدأ حزب البعث يكشف عن وجهه الحقيقي. إذ تراجع عن إلتزاماته تنكّر الواردة في ميثاق الجبهة الوطنية، واتضح أنه لم يكن صادقا في تعهداته، بل تعامل مع الجبهة كوسيلة لتعزيز سلطته وتوسيع نفوذه في الشارع العراقي، تمهيدا لتصفية خصومه لاحقا.
على الرغم من أن الطابع العدواني لحزب البعث برز في وقت مبكر، فان قيادة حزبنا، سواء بدافع حسن النية او نتيجة حالة من التراخي والابتعاد عن مرتكزات العمل الثوري، لم تتخذ التدابير اللازمة لمواجهة التحديات الصعبة التي كانت تلوح في الأفق.
في اواخر عام 1978 تصاعدت حدة المواجهة بين الاجراءات القمعية للنظام وقواعد الحزب التي كانت تسعى للحفاظ على وجوده. غير أن قيادة الحزب لم تبادر الى وضع خطة طوارئ فعّالة، واكتفت بدعوة الرفاق الى مغادرة العراق، وهو ما عُدّ بمثابة ترك الساحة للبعث. وقد اثار هذا الموقف استياءً واسعا بين عدد من الرفاق، الذين اختاروا البقاء ومواجهة النظام من الداخل. لكن موازين القوى كانت تميل بوضوح لصالح السلطة، التي عززت نفوذها عبر توسيع أجهزتها الأمنية، فضلا عن تغلغلها داخل بعض مفاصل تنظيماتنا. في المقابل، كان الحزب يفتقر الى وسائل التخفي او الافلات من قبضة السلطة، ما جعل الشيوعيين يواجهون التحديات بروح تضحية صلبة لم تنكسر امام ادوات القمع.
كان الجميع منشغلا بابتكار وسائل للتخفي ومواصلة النشاط، الا أن ذلك كان اقرب الى الخيال في تلك الأيام. في 1 / 1 / 1979 أُلقي القبض عليّ من موقع عملي. كنت أعمل خبيرا فنيا في تركيب وتشغيل المصاعد الكهربائية، وتم اعتقالي في مديرية أمن بغداد. وكالعادة بدأ التحقيق بأسلوبي الترغيب والترهيب، وهما الأسلوبان المعتمدان آنذاك. لكني حين قلت لهم: "اختصروا الموضوع، فليس لدي ما يفيدكم!"، اشتد التعذيب، ولا أود وصف ما جرى، فبشاعته وقذارته تفوق ما يمكن للعقل البشري تحمله، وكل من مرّ بتلك التجربة يدرك ما أعنيه.
المشكلة انني اثناء التعذيب تذكرت أن في جيب بنطالي الخلفي جدول مالية المنظمة التي كنت أقودها. كان خوفي الأكبر أن تمتد أيديهم الى جيبي فيعثروا على تلك الوثيقة الخطيرة. لكن انغماسهم في التعذيب أعماهم عنها، ولم تقع في أيديهم.
بعد ستة ايام من التحقيق المنفرد في الطابق الرابع، أنزلوني الى الموقف العام حيث التقيت بباقي الموقوفين. وفي الساعة الأولى قصدت الحمام ومزقت جدول المالية، وكان ذلك مصدر فرح وسرور كبيرين بالنسبة لي.
وبعد خمسة وثلاثين يوما أطلق سراحي مع مجموعة من المعتقلين، من دون أن نعرف السبب حينها. وتبين لاحقا أن هناك لجنة دولية خاصة كانت تتقصى المعلومات عن وجود معتقلين سياسيين.
عندما اطلق سراحي، أصبحت علاقتي بالحزب فردية كاجراء احترازي. ومع تطور الأحداث كانت مشاعر الحقد على النظام تتصاعد. وبعد التشاور مع الحزب قررنا، بعد ثلاثة أشهر، الصعود الى كردستان. وكلفني الحزب باصطحاب ثلاثة عشر رفيقا.
انطلقنا نحو أربيل، وعند مغادرتنا كراج المدينة باتجاه نقطة التفتيش أملا في الوصول الى الانصار، وقعنا في كمين نفذته قوة من الوحدات الخاصة يزيد عدد أفرادها على مئة عنصر. ولايزال من غير المعروف حتى الان ما اذا كان هذا الكمين نتيجة وشاية أم مراقبة. نُقلنا الى مديرية مخابرات كركوك، ثم جرى تحويلنا في اليوم التالي الى مديرية الأمن العامة. وهناك بدأت الجولة الثانية من التحقيق، وكانت هذه المرة مختلفة عن الاولى للاسباب التالية:
1: ان بعض المعتقلين سبق اعتقالهم، وهذا يعد تحديا لهم.
2: عندما اعتقلونا كنا في طريقنا لحمل السلاح ضد النظام.
3: كان معنا نائب ضابط وعريف وجنديان.
هذه الاسباب ادت الى اخضاعنا لأساليب تعذيب غير مسبوقة، وكأنهم يعذبوننا لمجرد التعذيب. وضعونا كمجموعة في غرفة واحدة كي لا يتعرف علينا باقي المعتقلين، وكانوا يعصبون اعيننا ليس فقط اثناء التعذيب، بل حتى داخل الزنزانة، واستمر ذلك لاشهر.
في 6 / 8 / 1979 حدثت مفاجأة. نادى أحدهم الحارس، فذهب مسرعا تاركا وراءه صحيفة الجمهورية. التقطتها، ومن تحت عصابة العين استطعت قراءة خبر يتحدث عن اعدام المتآمرين من قيادة حزب البعث، واصبح صدام رئيسا للدولة. بعد ان حللت هذه الاخبار قلت للرفاق: من الآن، اذا لم يُطلق سراحنا خلال اسبوع، فسيكون مصيرنا الاستشهاد. وبالفعل، أُطلق سراحنا في 13 / 8 / 1979 بموجب العفو العام.
استمرت فترة العلاج عدة اشهر، الا ان شعلة التحدي والنضال ضد النظام ما تزال متقدة في داخلي. لذلك قررت الالتحاق بالأنصار، لكن هذه المرة عبر سوريا. حصلت على جواز سفر بكتاب مزور من احدى الدوائر، وغادرت عام 1980 تاركا خلفي زوجتي واطفالي. عند وصولي الى دمشق اتصلت بالحزب، واتفقنا على الالتحاق بالانصار عبر القامشلي. وصلت إلى كردستان عام 1981، وعاودت النضال من جديد عبر حمل السلاح.