من الطرائف التي ما زالت عالقة في الذاكرة، تلك الحادثة التي جرت في مقر يك مالة، ذلك المقر الذي تحوّل تدريجيًا إلى موقع متكامل، له وزنه العسكري والسياسي، وشهد لاحقا الكثير من الأحداث التي تستحق أن تُروى، بعد ان كان عبارة عن موقع انذار مبكر لمقر قاطع بهدنان في گلي كوماته الاول، لكن قبل كل ذلك، تبقى هذه الواقعة الطريفة واحدة من أكثر المشاهد رسوخًا في الذاكرة، لأنها ببساطة جمعت بين البراءة، وحسن النيّة، وروح الأنصار المرحة.

في تلك الأمسية، كان الرفيق النصير أبو أنجيلا في نوبة الخفر، وهي المهمة التي يتولّى فيها النصير إعداد الطعام للرفاق، وأبو أنجيلا، كما عرفناه، شابا وسيما، مرحا، ومحبا للمبادرة، يملك قدرة خاصة على إشاعة الفرح والتفاؤل، حتى في أقسى الظروف.

ولأن أرزاقنا يومها كانت أفضل قليلًا من المعتاد، قرّر أبو أنجيلا أن يفاجئنا بعد العشاء بـ وجبة حلويات. الفكرة بسيطة ومغرية: حلاوة طحينية تُقدَّم للرفاق في ختام يوم متعب.

تحمس الرجل للمهمة بكل ما فيه من حيوية، وأخذ يعِد الحلاوة وسط تشجيعنا وتعليقاتنا، فيما كان الرفيق أبو ماجد البصري، المسؤول الإداري، يزوّده بالمواد اللازمة، وكأنّ الأمر مشروع تموين استراتيجي لا مجرد ضيافة مسائية!: ما إن اكتملت الحلاوة بلونها البني الشهي، حتى بدأ أبو أنجيلا بتوزيعها في صحون الألمنيوم، واضعا في كل صحن ملعقة، زيادةً في الأناقة والخدمة الممتازة، وكأننا أمام ضيافة من الدرجة الأولى.

حين نادى علينا لنأخذ حصصنا، تقدمنا بلهفة من يستعد لاقتناص مكافأة مستحقة... لكن المفاجأة كانت أكبر من التوقعات!، فقد تبين أن الملاعق التي وضعت داخل الصحون أثناء صبّ الحلاوة، قد التصقت بها تماما، حتى بدت وكأنها صنعت معها، لا الملعقة تتحرّك، ولا الحلاوة ترحم، ولا الصحن مستعد للتفاوض!، فانفجر المكان ضحكا، وتعالت التعليقات، وتحولت الضيافة البريئة إلى مشهد سريالي نادر، فيه من الكوميديا ما يكفي ليبقى حيا في الذاكرة سنوات طويلة.

لم يكن أمامنا في نهاية المطاف سوى التوجه إلى  "الروبار" الجدول القريب من المقر، لننقع الصحون حتى اليوم التالي، على أمل أن نفك الاشتباك بين الحلاوة والماعون، وتتحرر الملاعق من أسرها اللذيذ، ومنذ ذلك اليوم، لم تعد تلك  الحادثة مجرد "حلاوة طحين"، بل صارت حادثة شهيرة تناقلتها الألسن في أرجاء القاطع، حتى كدنا نتهم بالتبذير، بينما كان رفيقنا الإداري مطالبا بتقديم شرح سياسي ولوجستي مقنع  لإدارة القاطع عن مصير الصحون والملاعق، هكذا كانت أيام الأنصار مليئة بملايين المواقف التي تعكس الالفة والمحبة رغم قساوة الظروف والمخاطر التي لا تعد ولا تحصى.

النصير الشيوعي العدد 46 السنة الرابعة آيار 2026