يقع (كَلي كوماتة) في وادٍ عميق على الشريط الحدودي بين العراق وتركيا، في منطقة بهدينان شمال زاخو، حيث يشكّل نهر الخابور حدا طبيعيا متداخلا بين البلدين. كان المقر في موضع استراتيجي محصن داخل وادٍ لا تصل إليه الشمس إلا نادرا، حتى وصفه الشهيد أبو كريم مرة بـ "سوق الحميدية"!، في إشارة الى ضيقه وظلاله الدائمة، ما جعله محميا نسبيا من القصف المدفعي والجوي. من ضفة الوادي، كان الأنصار يشاهدون مواقع الجيش التركي على الطرف الآخر من نهر صغير ينبع من الخابور الذي تصب فيه الكثير من الجداول المنحدرة من سفوح جبال (هكاري) داخل الأراضي التركية.
الموقع والجغرافيا
ينبع نهر الخابور من جبال هكاري في تركيا، ويدخل الأراضي العراقية شمال زاخو، ثم يتجه جنوبا ليصب في نهر دجلة عند منطقة (فيشخابور). وعند أول دخوله الى العراق يقطع وادي كوماتة، حيث أُقيمت مباني السرية الأولى والمطبخ والطبابة على ضفة احد جداوله (روبار) الذي يفصل بين تركيا والعراق. أقرب القرى الى المقر هي قرية (يك ماله) العراقية، التي تبعد مشيا على الاقدام نحو 30 دقيقة الى الغرب من (كوماتة)، إضافة الى قرية (هدريش) التركية التابعة لمدينة (شرناق) في هكاري. أما أقرب مركز حضري عراقي رئيسي، فهو مدينة زاخو، وتبعد قرابة ساعة بالسيارة عند القدوم من تركيا عبر منطقة (يك ماله).
تأسيس المقر والقيادات الأولى
افتُتح مقر (كَلي كوماتة) أواخر سبعينيات القرن الماضي على يد عدد من الأنصار الشيوعيين الأوائل، من بينهم أبو باز وملازم أحمد الجبوري، ثم تعاقب على مسؤوليته عدد من الكوادر مثل أبو يوسف (عمر إلياس)، وأبو جبار، وأبو جوزيف. كما شهد الموقع وجود شخصيات بارزة مثل الدكتور جرجيس، عضو القيادة في الحزب الديمقراطي الكردستاني، ومسؤول القاطع آنذاك.
في شتاء عام 1979، وصل 26 نصيرا الى الموقع بعد رحلة شهر كامل في ظروف قاسية وعاصفة. سلاحهم ليس سوى ثلاثة مسدسات رشاشة وخمس قنابل يدوية. أقاموا قاعتين كبيرتين في المنطقة: واحدة في (كلي كوماتة) وأخرى على الخابور، وكان الشتاء الأول في المقر شديد القسوة، بلا بطانيات تقريبا، وطعامهم الخبز والشاي، وأحيانا بلا سكر أو ملح، حتى شاركهم القمل كل همومهم وطقوسهم!، (كما كتب النصير أبو يارا).
بنية المقر ومرافقه
بدأ المقر بغرفة كبيرة واحدة، ثم توسّع تدريجيا، فعندما وصل عدد من النصيرات عام 1980، بُنيت غرفة خاصة بهن، وغرفة لقيادة القاطع، وغرفة للاسلكي، إضافة الى حمام وتواليت. لاحقا تشكّل مجمع صغير يضم:
1: مقر قيادة القاطع والمشجب. 2: قاعة السرية الأولى (على بعد 100 متر). 3: قاعة الطبابة. 4: مبنى المطبخ. 5: تواليت وحمام. 6: مقر السرية الثانية والسجن (يبعد نحو 10 دقائق مشيا).
كتبت النصيرة أم نصار
"في أكتوبر 1980 وصلنا الى مقر كوماته قرب الحدود التركية بعد رحلة شاقة. كان المكان بسيطا، لكن الرفاق استقبلونا بحفاوة واهتموا بترتيب المقر احتفاءً بوصولنا نحن "النصيرات". ورغم قسوة الظروف، لكنا في عمر الشباب نحمل الحماس والتصميم.
في اليوم التالي أُقيمت لنا حفلة غنائية خففت عنا التعب، ثم تقرر إنشاء قاعة خاصة بنا. شاركنا في بنائها بكل جهد لاثبات قدرتنا على تحمل المسؤولية مثل باقي الأنصار. وبعد إكمالها، أصبح لدينا فصيل عسكري خاص، توزعت فيه المسؤوليات بين النصيرات. لم يكن السلاح متوفرا، فكنا نتناوب على بندقية واحدة خلال الحراسة الليلية، وسط الخوف والتحدي، خاصة مع صعوبة اللغة وجهلنا بتضاريس الجبال. ومع مرور الوقت، اعتدنا الحياة القاسية، وسادت بيننا روح الألفة والرفقة. تدريجيا، أصبح وجودنا ضروريا، وتزايدت أعداد النصيرات ومهامهن، حتى شاركن في مختلف النشاطات، بما فيها المهمات القتالية. وكانت لنا مرافق صحية في الجانب التركي، حتى مازح الأنصار بأنهم "مثل حمام الكاظم"! لكثرة انتقالهم بين الجانبين".
عمليات جراحية ناجحة
في مقر (كوماته) تم بناء مستشفى، وحصلت أول عملية جراحية عام 1980، حين أُصيبت قدم النصير ابو جاسم كيشان بالكنكرينا بسبب الثلوج، فقام الشهيد (د. عادل) ببتر اصابعه. وفي نفس العام جرت عملية (فتق) ناجحة للنصير ابو مكسيم. اما قدم الفقيد (ابو حازم) التي اصيبت بالكنكرينا ايضا في بداية عام 1982، فقد قام باجراء العملية الدكتور الشهيد ابو ظفر وبمساعدة الدكتور ابو بدر، والعمليات تمت بدون بنج وبالمنشار العادي.
الحياة اليومية والتموين
رغم قسوة الطبيعة، وفّر الوادي بعض مقومات العيش. كان الأنصار يحصلون أحيانا على البيض والعسل الطبيعي، ويصطادون السمك الطازج من الخابور بطريقة بدائية وباستخدام القنابل، وكان بطل الصيد الشهيد الدكتور عادل. شكّل السمك والعدس والخبز الحار مع العسل والشاي أساس وجباتهم، في تباين دائم بين شظف وقليل من الرفاه الريفي!.
ذكريات وأغانٍ في الوادي
من طرائف الحياة في (كوماتة) ما يروى عن النصير أبو زهرة، الذي كان يغني ليلا أغنيته الساخرة المفضلة: "وإيش تبون؟ نبي نجمة بالعلم"، وهي سخرية من حكاية مظاهرة كويتية تطالب باضافة نجمة الى العلم!. كان النصير مام إسكندر القادم من السليمانية لنقل السلاح الى دربنديخان، يستمع الى الأغنية بعد عشاء العدس، ثم في الصباح، بعد إفطار العسل والخبز الساخن، انفجر ضاحكا وراح يقلد أبو زهرة ويصفق مرددا: "إي هسه وإيش تبون!".
كوماتة كمركز للحركة الأنصارية
بفضل موقعه القريب من الحدود السورية ومنطقة القامشلي، أصبح (كلي كوماتة) مركزا مهما للحركة الأنصارية، يستقبل المفارز القادمة، والسلاح والمستلزمات الاخرى. ولم تقتصر أهميته على الجانب العسكري، بل كان مدرسة نضالية يومية عززت التضامن بين الأنصار، حيث تقاسموا صعوبات الحياة والمهام اليومية. كما شكّل فضاءً للتثقيف السياسي وتبادل الخبرات عبر نقاشات ليلية رغم قسوة الظروف.
في هذا المكان الجبلي، شُيّدت مرافق بسيطة وأُنجزت مهام صعبة بامكانات محدودة، ونشأت ذاكرة جماعية من التضامن والمقاومة. بفضل موقعه الجغرافي، أصبح كلي كوماتة لاحقا "مشجب سلاح" للحركة الأنصارية، ومحطة استراحة واستقبال، ونقطة التقاء في جبال بهدينان.