بعد انتظار طويل في احدى المدن السورية، صدر إلينا امر الاستعداد للتحرك، وبعد ساعتين وصلنا  الحدود. معضمنا من الفتيان الذين حملوا السلاح، واختلطت في نفوسهم مشاعر الأمل والخوف والقلق.

أُُبلغنا بضرورة اجتياز كمائن الطريق الدولي الرابط بين تركيا والعراق، على ان تكون مسؤولية الرد محصورة بالأدلاء، وهم ثلاثة شبان من (كوك). ما ان وصلنا الى الطريق حتى ظهرت مدرعة، وبدأت كشافاتها تمشط موقعنا، ثم فتحت نيرانها من رشاش الدوشكا عيار 14 ملم. ارتمى الجميع أرضا واحتموا بحافة الطريق. توقفت الرماية قليلا، ثم عادت المدرعة لتكرر التمشيط قبل ان تتحرك مبتعدة وتطفئ كشافها. اغتنمنا تلك اللحظة، فأسرعنا الى العبور، وما ان تحركنا حتى انطلقت رشقات كثيفة، تصدى لها الأدلاء، وتمكنا في النهاية من إتمام العبور.

بعد اقل من ساعة على بدء المسير، ادركنا جهلنا بكيفية التنقل في الظلام عبر تلك الدروب الوعرة المفروشة بصخور متفاوتة الأحجام. منحدرات حادة، صعود وهبوط مرهقان بين السفوح والوديان، ومسالك جرداء لا توحي بأي أثر للحياة.

استمرت حركتنا طوال الليل دون انقطاع، حتى انبلاج الفجر، حيث وصلنا اول محطة للراحة، فلم نجد سوى كهف يقينا من العراء.

اشتد الحر في ايام حزيران، فيما تواصلت المسيرة اربعة ايام متتالية. تحولت أقدامنا الطرية الى جروح وقروح، وامتلأت السيقان والركب بخدوش نازفة لم تنل أي علاج إلا بعد الوصول. وصل بنا الارهاق حدا قاسيا، وزادت قلة النوم من وطأته، حتى غدونا نأكل ونشرب ونغفو ونحن نسير.

أما تعلّم السير في الظلام فشكل التحدي الأصعب، فنحن ابناء المدن، المعتادون على حياة اكثر راحة، وجدنا أنفسنا فجأة في مواجهة عالم لا يشبه ما ألفناه.

اخيرا، وصلنا الى اول قاعدة في بهدنان، حيث استرحنا ثلاثة ايام، ثم واصلنا المسير الى (بشتآشان) مرورا بقاعدة (روست). هناك، عند نهاية الرحلة، بدأت حياة اخرى، حياة قاسية، لكنها بدت مألوفة مقارنة بما مررنا به.

النصير الشيوعي العدد 48 السنة الرابعة تموز 2026