تحل الذكرى الخامسة لتأسيس جريدة "النصير الشيوعي" مناسبةً تستحق التوقف عندها بكل اعتزاز، فهي ليست مجرد تجربة صحفية عابرة، بل مشروع ثقافي وتوثيقي حمل على عاتقه مسؤولية الحفاظ على تاريخ حركة الأنصار، وصيانة ذاكرة رفاقها وشهدائها، ونقلها إلى الأجيال القادمة. وخلال خمس سنوات من العمل المثابر والمتفاني، استطاعت الجريدة أن تواصل صدورها بانتظام، رغم ما يحيط بالصحافة الورقية والتطوعية من تحديات، وأن تحتل مكانة طيبة في اهتمامات القراء، ولا سيما بين الأنصار وعوائلهم وكل المهتمين بتاريخ هذه التجربة النضالية.

ويشرفني أن أكون من بين أعضاء فريق العمل الأول الذي أصدر الأعداد الأولى من الجريدة. لقد كانت تلك البدايات مليئة بالحماس والإيمان بأهمية المشروع، وكان الهدف واضحًا منذ اللحظة الأولى: إنشاء منبر يوثق مسيرة الأنصار ويصون تاريخهم من النسيان. ورغم أنني اضطررت لاحقًا إلى الانسحاب من هيئة التحرير بسبب التزامات متعددة، فإن علاقتي بالجريدة لم تنقطع، إذ بقيت قريبًا منها ككاتب مساهم، أتابع مسيرتها وأفرح بما حققته من نجاحات متواصلة.

لقد أنجزت الجريدة الكثير في مهمتها الأساسية، وهي توثيق تاريخ حركة الأنصار وسير رفاقها وشهدائها، إلا أن هذا المشروع يبقى مفتوحًا على المزيد من العمل. فما تزال هناك مئات القصص والتجارب الشخصية التي لم تدوّن بعد، وهي جزء لا يتجزأ من التاريخ الجماعي للحركة. ومن هنا تبرز أهمية أن تواصل الجريدة التفاعل مع الأنصار في مختلف أماكن وجودهم، وتشجيعهم على كتابة ذكرياتهم بلغتهم وأسلوبهم، فالمهم أن تُكتب الشهادة قبل أن تضيع. وبعد ذلك يمكن أن تتولى الجريدة عرض هذه المواد على كتاب أو محررين مختصين، من داخل هيئة التحرير أو من خارجها، لإعادة صياغتها وتحريرها مع الحفاظ على روح النص وأصالته.

ولكي تتمكن الجريدة من تطوير عملها والارتقاء بمستواها المهني، فإن من المفيد التفكير في تخصيص ميزانية ثابتة لها، سواء من خلال جمع التبرعات أو اعتماد أي آلية مناسبة تضمن استدامة التمويل. فوجود موارد مالية، ولو محدودة، يتيح الاستعانة بصحفيين أو محررين محترفين، ليس بالضرورة أن يكونوا من الأنصار، للمساهمة في أعمال المراجعة اللغوية والتحرير والإخراج، بما يعزز جودة المادة المنشورة ويخفف العبء عن فريق العمل التطوعي.

ومن التجارب الناجحة التي يجدر الاستمرار فيها إصدار الملاحق الخاصة بالشخصيات الأنصارية المتميزة، كما حصل عند رحيل النصير الفنان كوكب حمزة، إذ شكل ذلك الملحق وثيقة مهمة تحفظ سيرة أحد المناضلين للأجيال القادمة. ويمكن توسيع هذه التجربة لتشمل أعدادًا خاصة بالمناسبات الأنصارية أو بالمحطات التاريخية البارزة في مسيرة الحركة، لتصبح الجريدة مرجعًا متكاملًا لذاكرة الأنصار.

كما أقترح أن تعمل الجريدة على إعداد ملفات خاصة تتناول حدثًا واحدًا، يشارك في الكتابة عنه عدد من الأنصار الذين عايشوه من مواقع مختلفة. فالرواية الجماعية للحدث تمنح القارئ صورة أكثر اكتمالًا وموضوعية، وتكشف زوايا قد تغيب عن شهادة الفرد الواحد، وبذلك تتحول الذاكرة الفردية إلى ذاكرة جمعية أكثر غنى وعمقًا.

ومن الخطوات المهمة التي يمكن أن تثري الجريدة أيضًا تخصيص صفحتين باللغة الكردية، تقديرًا للدور الكبير الذي أداه الرفاق الكرد في حركة الأنصار، ولإتاحة المجال أمامهم للكتابة بلغتهم الأم. ويتطلب ذلك انضمام رفيق كردي إلى هيئة التحرير يتولى متابعة هذه الصفحات وتشجيع الرفاق الكرد على المساهمة بذكرياتهم وشهاداتهم، بما يعكس التنوع الوطني الذي ميز تجربة الأنصار منذ بداياتها.

وأخيرًا، يبقى أملي أن تحافظ الجريدة على هويتها المتخصصة، فتظل منبرًا معنيًا بشؤون الأنصار وتاريخهم وتراثهم النضالي، وألا تتوسع في تناول القضايا السياسية العامة إلا من خلال افتتاحيتها، التي يمكن أن تعبر عند الحاجة عن موقف الأنصار ورابطتهم من الأحداث الوطنية، من دون أن تفقد الجريدة خصوصيتها التي تمثل سرّ ديمومتها، وتكسبها مكانتها بين قرائها.

في عيدها الخامس، نستحق أن نحيي جميع العاملين في "النصير الشيوعي"، الذين واصلوا العمل بإخلاص وإرادة، مؤمنين بأن حفظ الذاكرة الوطنية مسؤولية لا تقل أهمية عن صناعة الحدث نفسه. وكل الأمنيات للجريدة بمزيد من النجاح والاستمرار، وأن تبقى صوتًا أمينًا لذاكرة الأنصار، وجسرًا يربط الماضي بالحاضر، ومرجعًا للأجيال القادمة في قراءة واحدة من أنبل صفحات النضال العراقي.

النصير الشيوعي، العدد 49 السنة الخامسة، آب 2026