قرأت حكايات الطريق وتوقفت طويلاً أمام المشهد المرعب للكمين القاتل الذي أودى بحياة مجموعة باسلة من أفضل الناس! تذكرت جملة من البديهيات التي كانت الحركة تتجاهلها والتي كانت تستفز قناعاتي: الجهل بلغة المنطقة رغم توفر الوقت لتعلمها، الإصرار على أسماء حركية غريبة عن البيئة المحلية، السباحة التي لم تدخل في برامج الحركة رغم أنها كانت تعني الحياة أحياناً، التقاط الصور بكم هائل في حركة سرية مسلحة..هذا كله أثار باعماقي عاصفة من الأسئلة بدأت من أول أيام وصولي الى كوماته.  وبعد أن تجاهل المسؤولون قصة ضياعنا في الجبال التي كادت تودي بحياتنا نحن الخمسة وكأنني كنت أتحدث لهم عن مجموعة عصافير وقعت في ورطة، ايقنت أننا قد نسير في الطريق الى كارثة لايفصلنا عنها سوى مزاج العدو!

أتذكر حادثة من وقت التدريب: أتى الضابط الفلسطيني قادماً بسيارة جيب الى موقعنا في بلدة " حاصبيا" طالباً مقاتلَين عراقييَن ومقاتلَين فلسطينيين. ورغم أن الضابط لم يحدد طبيعة المهمة، لكن موقع حاصبيا القريب من الحدود مع جيش " سعد حدّاد" المتحالف مع الصه-اينة كان يعني إحتمالية الذهاب بمهمة خطرة سريعة وجادة بحيث لا يمكن له البوح بتفاصيلها. سارت بنا سيارة الجيب بإتجاه موقع عسكري للحزب الشيوعي اللبناني. توقفت وتحدث الضابط مع مسؤول الموقع فتوقعت عملاً بمستوى عسكري وتنظيمي عال، لكني استغربت طابع السرية المطلقة وافتقارنا لأية معرفة بطبيعة العملية. كان المساء قد حل عندما بدأت السيارة ولوج منطقة خالية وشت ملامحها بطبيعتها العسكرية. توقف الجيب وانتظرنا حلول الظلام ثم ترجلنا بإتجاه بناية عسكرية محصنة بالأسلاك الشائكة وبساحة منارة بالآنوار الكاشفة تناثرت فيها عربات وآليات عسكرية ونحن مثل قطيع خراف.  شرح الضابط مهمتنا: "هذا هو معسكر قوات حفظ السلام النايجيرية، أريد إثنين عراقي وفلسطيني. هناك على محيط هذه الساحة زرعت الغام تنوير، ستكون المهمة عبور السياج والتسلل الى تلك الساحة و"سرقة" لغمين!

وبينما كنت أهم بالتعبير عن معارضتي وإستغرابي للمهمة كان العراك على أشدّه  بين المقاتلين على كسب " شرف" تنفيذ العملية كما يفعل تلاميذ المدرسة الإبتدائية :إستاذ..إستاذ..إستاذ ..! 

تسلل "الفدائيان" عبر السياج الى حقل الألغام، وسرعان ما إنفجر أحد الألغام أثناء تفكيكة لتضاء "ساحة المعركة" كاشفة قامات فدائيينا الراكضين على وقع أقدام النايجيريين وكلابهم البوليسية الشرسة. كان من حق النايجيريين الذين أطلقوا الكثير من الأنوار الكشّافة، إطلاق النار دفاعاً عن الموقع ضد قوة معادية تسللت الى مواقعهم، وقد سمعنا عن حالات تسليم لبنانيين وفلسطينيين لقوات " سعد حداد". لم أفهم للآن سبباً منطقياً يجبرنا على القيام بهكذا مهمة لصوصية فقد كان العتاد آنذاك يباع في أسواق "حاصبيا" كما يباع السكر والشاي والبطاطا، حتى القصد التدريبي لايبرر هكذا عمل فالمحيط الجبلي يوفر فرصاً لاتحصى. لقد كان دافع تحمس المنفذين للتنافس من أجل تنفيذ المهمة هو تفادي إحساس "العار" جراء "التخاذل" في تنفيذ المهام، تحمس ساذج الى حد الإستهانة بالحياة البشرية مقابل كسب شرفي فقط: " كان لايتردد في تنفيذ اية مهمة عسكرية "

لا أحد يناسب بين الكسب والخسارة...كم قدمنا وكم كسبنا؟ هذه أسئلة تدل على " التخاذل" و" التردد" . القصة ليست جديدة ، فالإستهانة بحياة المناضل والتضحية بها لتحقيق أهداف معنوية لاغير، ظاهرة لازمت العمل الكفاحي اليساري في البلدان ذات التكوين القبلي وقد أوردت أمثلة منها في كتابي عن أنهيار الأنظمة الاشتراكية.

ماصلة هذه الحادثة بحكايات الطريق؟

صلتان : أولاهما أن موقفي في عملية السطو يشبه موقفي أثناء عملية عبور الحدود في حصيبة الذي ذكره مازن ،  في الحالتين كان عليّ تنفيذ عمل جديّ شديد الخطورة دون أن أطلع مسبقاً على تفاصيله!

أما الصلة الثانية فهي  النهاية المحزنة لحكايات الطريق والتي تعود بنا الى معضلة اختلال ميزان المداخيل والمخاريج أو(Input-Output)

في البداية لابد من التأكيد على صحة الرواية التي مهد بها مازن للكتاب، وهي محاولتنا عبور الحدود السورية من حصيبة التي قادها مازن بهدوء ونجاح مثيرين للإعجاب. من ناحية أخرى، كنت أود لو أنه عرض مشروع الكتاب عليّ قبل الطبع، لكان افاد من مزايا ذاكرتي التفصيلية. ربما تلي هذه الطبعة طبعة أخرى ستكون حتماً أكثر سعة وعمقاً.

قال مازن في الصفحة 87 من الكتاب :

دار حديث بيننا ماذا سنفعل الآن ؟

- علي قال سأعود إلى بغداد .

الملاحظة الأساسية التي تسري على كل المطبوع، أن علي ورافد وأبو ميثاق وأبو خلود وأبو عزيز وأبو سحر وناهل وغيرهم من شخوص الأحداث بقوا مجهولين بدون تعريف للقارئ البعيد عن وسط الأنصار . كان بامكان الراوي إضافة ملحق بالاسماء والأسماء الحركية زيادة في مصداقية التوثيق وهو الهدف الأساس لهذا المطبوع كما أعتقد.

عودة الى علي الذي قال في هذه الجملة سأعود إلى بغداد، علي هنا هو انا، وهذا الجواب يستلزم توضيحاً: لماذا أردت العودة الى بغداد؟

بدأت القصة حين أبلغني الشهيد صائب ضمد وهو مكشوف كليتنا كلية الهندسة، على غير توقع ، وكنا نعمل سوية بمعمل حدادة، أن أستعد بسرعة لاحتمال مغادرة الوطن وفي اليوم المحدد أعطاني إسم فندق فتعرفت هناك بثلاثة رفاق  لم ألتق بهم من قبل عرّفوا انفسهم بأبو ميثاق ومازن ورافد. لم تكن ظروف اللقاء مريحة فابو ميثاق قائد المجموعة  بدا عصبياً  لتأخري الذي سببّه حدث عجيب هو مصادفتي لعنصر بعثي كان مسؤولاً عن مراقبتي في البصرة لم أره منذ عام وأكثر،  وعلى بعد أمتار من باب الفندق! في البدء تصورته كميناً محكماً فتمهلت في ولوج باب الفندق. عندما تيقنت أنها صدفة نحس كنت مجبراً على تأليف قصة سريعة للتخلص منه قبل دخولي الفندق.

الآن نحن قبالة بعضنا، كلانا يجهل صاحبه: أنا لا اعرفهم ولا علم لي بكيفية خطتهم بتخطي الحدود، وهم كذلك لايعرفون عني شيئاً!

لو أن الثلاثة عرفوا أنني لم أخرج الى العلن منذ بضعة أسابيع لأن قرار رمي فوري في الشارع قد صدر بحقي إن لم أسلّم نفسي، لو عرفوا أنني كنت محكوماً من قبل محكمة جزاء الزبير بالسجن مع وقف التنفيذ لثلاث سنوات، أي أن أي تجاوز غير قانوني للحدود مرة أخرى خلال فترة  العام سيلقي بي في الزنزانة تلقائيا لثلاث سنوات، ولو عرفوا أنني في الواقع مُطلق السراح من أمن البصرة بكفالة بقرار متسرع جاء بعد زيارة صدام وعدي للبصرة، لو عرفوا هذه التفاصيل  لما تحمسوا لوجودي ضمن المجموعة. شخص مثلي، سيكون في مثل هكذا مهمة عبئأ على الجميع وخطراً على الجميع، لأننا سنجتاز سيطرات عسكرية، وتفتيش على إمتداد طريق بغداد - حصيبه، ومن المحتمل جداً أن يكون إسمي معمماً عليها. هذا كله زيادة على وضعي الصحي المتدهور آنذاك. ومن جانبي لو أُتيح لي أن أعلم بتفاصيل خطتهم لعبور الحدود لما وافقت أبداً رغم حراجة موقفي.

أما وقد فشلت المحاولة الليلية فلست مستعداً لتكرارها لأن خطة التسلل من الحدود كما رأيتها بعيني وجربناها مساء الأمس، كانت محفوفة بمخاطر هائلة من البداية لأسباب:

أولها مرورنا نحن الغرباء بعد وصولنا حصيبة ، من أمام المقاهي المكتضة بالرواد وردود الفعل الواضحة المستغربة لمنظرنا. ثانيها توقيت عملية التسلل في وقت اشتداد مطاردات السلطة لجماعات الدعوة وانذارات القوات الأمنية، ثالثها تكرار وجود مازن للمرة الثالثة في الفندق الوحيد في حصيبة خلال أيام قليلة، رابعها التوقيت الغريب لمغادرتنا الفندق في عمق الليل قبل الفجر وأتذكر انني حين تخطت قدماي عتبة الفندق كنت أردد مع نفسي: سيمسكون بنا مثل الأرانب!

خامسها: بعد مصادرة بطاقة الأحوال المدنية، وهروبنا لاشك أنهم سيبعثون بها لدائرة أمن منطقة السكن وسينكشف المستور فانا سجين سابق اطلق سراحه بكفالة في ظروف خاصة بعد زيارة صدام للبصرة دون أي شكل من تعاون مع الأمن، أو توقيع، أو إعتراف، أو إفشاء أي سر، بل وبلا حتى صحيفة أعمال، أي انني لازلت مطلوباً، لذلك كلما أسرعت بالعودة كان هذا أفضل وأقل مجازفة

أما مشروع عودتي الفنطازي اليائس فكان الإختباء في واحدة من شاحنات الجص والنورة المغادرة لبغداد!

ملاحظة أخرى: قال مازن في الحديث عن وصولنا دمشق ص 65 : (أبو ميثاق لم نراه أبداً)

والصحيح اننا رأيناه في دمشق عن طريق أبو جنان اسعد لعيبي وطلبنا منه الالتحاق بنا في الفندق لكنه فضّل البقاء في مكانه. إسمه خليل إبراهيم. كان شجاعاً وكثير الاصطدام مع البعث نفوه للفاو وهو موظف صحي واجبروه في عام 1978 على التوقيع كل اربع ساعات في مقر الشرطة ولكنه مع ذلك كان يهرب وينفذ ويتابع مهامه دون ان يمسكوه . لديه إبن معوق إسمه ميثاق كان يسأل عن ابيه الذي لم يره ولكن ميثاق توفي بعد فتره بسبب مرضه .

أما قصته في سوريا فهو كان قد وصلها بمفرده بعد ان قفز من سيارة الشرطة وانفصل عنا. اعتقل في دمشق من الفندق إشتباهاً في عملية تعقب لتجار مخدرات وعند تدخل زعيم الحزب الشيوعي السوري خالد بكداش شخصياً للسؤال عنه انكرت السلطات السورية وجوده ... وبعد فترة من السجن والتعذيب قاربت  الشهر تم رميه على الحدود العراقية السورية. كان رجل التحديات الصعبة. بعد فشل مهمته في دمشق وإعتقاله ورميه على الحدود تسلل الى العراق مشياً وبحنكة وصل والتحق في التنظيم . أرسل الى اصدقاءه رسالة من هناك حول هذا الامر جاء فيها انه عندما اخبر الجهات الأمنية السورية انه شيوعي عراقي وهارب من النظام للالتحاق بالحزب في الخارج ازداد التعذيب عليه . ونظراً لصلابته وللضغط من الحزب الشيوعي السوري والعراقي على حد سواء، رموه على الحدود ليتنصلوا من مسؤوليته .

أسماء وتفاصيل صغيرة نساها مازن:

  • أثناء الاختباء في بساتين حصيبة فوجئ بنا شاب كان يتجول في بستانه وعرض المساعدة بعد أن سمع اننا في زيارة لصديقنا المهندس عبد اللطيف الراوي وانقلبت سيارتنا. المضحك أنه تحدث بفخر عن أخيه رئيس الاتحاد الوطني لطلبة العراق وانه سيستضيفنا في داره . كاد اللقاء ان يتحول الى ورطة! تذرعنا بالاستعجال وطلبنا منه ماء لاغير واتى به لنا مشكوراً. بعد ان أنصرف الشاب غيّرنا مكاننا مبتعدين.
  • الفندق الذي نزلنا به في دير الزور هو فندق غسان وقد حولت قصتنا المفبركة عن انقلاب سيارتنا وضياع 10000 ليرة اهتمام صاحب الفندق ليتحسر على المال المفقود ويمنحنا حق الإقامة في فندقه!
  • أنا من خرج لشراء الليف والصابون، عبرت جسر دير الزور الحديدي بدشداشتي البيضاء وشعري المنفوش وكان كل من يصادفني يمعن النظر بي لأني جمعت المتناقضات فلا أنا براعي غنم ولا بشاب مودرن! عدت بعد جولة طويلة منتشياً مثل هارب من السجن !
  • الشخص الذي عرض علينا المساعدة في الباص اسمه عبيد حسون وهو عضو اللجنة المنطقية للحزب الشيوعي السوري في حلب، كررنا عدم حاجتنا للمساعدة واكتفى رافد بطلب باكيت السكائر منه وبقينا مصرين على كوننا سواحاً !
  • في حماه شاهدنا فيلم الفراشة لستيف ماككوين وداستن هوفمان والذي كان ملهماً لي لتخطيط عملية الكويت!
  • إسم فندقنا في المرجة كان وردة الصباح وهو من فنادق طبقة العربنجية الدمشقيين يجبرك على النهوض من النوم الساعة الرابعة نتيجة لصياح باعة المرجة الصام للأذان!
  • ملاحظة أخيرة: المبلغ الذي بذمتي لمازن كان عام(1979) 30 ديناراً وقد سألت الذكاء الاصطناعي عن قيمته الآن فقدرها ب240 دولاراً ..طبعاً بالإمكان تركها لأربعين سنة قادمة كي تتضاعف ويمكن سحبها الآن وقد اعذر من أنذر!