في اليوم الاخير من شهر أيار عام 1979 ودعت أصدقائي ومعارفي وسافرت الى سوريا عبر نقليات ابو التمن ووصلت في الاول من حزيران الى دمشق التي انبهرت بها كثيراً وكنت أفكر بمن بقي من عائلتي ورفاقي داخل محافظات العراق وخصوصاً العاصمة بغداد وخفت كثيراً عليهم من البطش الذي صار سياسة أكثر وضوحاً للنظام ضد الشيوعيين وجماهيرهم ..بقيت مدة قليلة في دمشق ثم سافرت بتوجيه من الحزب الى بيروت التي كانت أكثر إشراقاً على الرغم من بعض المناوشات الحاصلة بين الاطراف الفلسطينية واللبنانية ولأسباب لا تمت للشعبين بصلة ..! صرت بعد ذلك اتدرب في معسكر الناعمة مع رفاق شيوعيين عراقيين وفلسطينيين من الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين ..بعد عدة ايام وصلني خبر سعيد جداً وهو .(.أن أخواتك موناليزا وكوثر وصلوا الى لبنان ..!! ) طلبت إجازة لكي التقي بهما وكان لقاءاً أسعد من السعيد ولم أصدق أنهما تخلصتا من حكم صدام ومن بطش نظامه وسألتهما عن بقية افراد عائلتنا ورفاقنا ..وكانت أكثر الاحاديث حزينة وتعبر عن القلق المحدق بهم جميعاً وبالوطن المبتلى بالجهلة المارقين ..بقيت حوالي ثلاثة ايام معهن لكن المسؤول ارسل في طلبي وبعصبية ..شنو أنت كم يوم تريد تبقى معهن !..وأضاف تريد تحلبهن..!! ارجع رجاءً الى وحدتك , ولأنني كنت ملتزم جداً بالاجراءات الحزبية في ذلك الوقت ..فأنني عدت الى معسكر الناعمة مجدداً دون ان تشبع روحي من حنان أختي الكبرى موناليزا ..! لكن هذا هو القرار ..ثم في نهاية تشرين الثاني عملت لنا قيادة منظمة لبنان حفلة توديعية الى كردستان العراق فحضرت أختي موناليزا للحفلة وودعتني بألم وحزن لا يطاق ولم أعلم أنها تخطط للألتحاق بنا بعد حين ! وما هي إلاً سنتين وبضعة شهور حتى علمت أنها في منطقة سوران وجاءت عن طريق ايران مع عدد من الرفاق الملتحقين ..! لكنها حينما كانت في لبنان لم تنقطع عني وخاصة من خلال الرسائل التي ترسلها لي عن طريق الحزب وفي احداها كتبت ..أن أحد رفاقنا الاكراد سوف يتوجه اليكم وذكرت إسمه وأنا اعرفه وقالت لي أكتب لي ماذا تريد أن ارسل لك..! كتبت لها ..اريد ديوان الشاعر بدر شاكر السياب الذي أحب شعره وأمقت مواقفه السياسه وتهجمه على حزبنا وكتبت لها ايضاً ..أن السنارات لصيد السمك نفذت عندي وصرت أصيد الاسماك بالابر ..!! وحينما جاء هذا النصير تأسف لأنه أحرق الديوان الضخم للتدفئة خلال الايام التي كانوا يسيرون بها قبل وصولهم وكان الجو بارد جداً فكان الديوان مفيد لهم وبدؤوا بتقطيع اوراقه ورميها بالنار ..! تألمت على ذلك وقلت مع نفسي ..لو كان هذا النصير مثقف ويعرف قيمة اشعار السياب لتحمل البرد ولم يحرق منه اي شيء ..!..فكرت بوصول أختي وعرفت ان إسمها في الانصار هو انسام بعد أن كانت أحلام في بغداد قبل وصولها الى لبنان ..فطلبت إجازة من رفاقنا في بهدينان وطلبت نقلي الى سوران أيضاً ..وافق الرفاق وبعد مسيرة طويلة استغرقت عدة ايام وصلت اليها وكان لقاءً تخللته الدموع الغزيرة ! وحكيت لها عن مصير الديوان وتألمت هي عليه ..ثم تم تنسيبي الى فصيل المكتب السياسي وأيضاً لاحظت أنها تعمل بغرفة صغيرة وتحاول فك الشفرة العسكرية وتعجبت لخريطة الشفرة وبعد ايام قالت لي يمكن ان أعلمك على فتحها لأن ابا عامل وهو مسؤول المكتب العسكري المركزي سمح لها ان تشركني معها ان ارادت ذلك بعد ان حدثته هي عن كوني ايضاً اتمتع بالصيانة في العمل ..وفي أحد الايام تمشينا انا وهي خلف القاعة وكانت حزينة جداً وقالت لي ..هل تعرف ان الناصرية فقدت الكثير من الرفاق الشهداء ..وتذكرنا انا وهي بعضهم ولم تفصح لي عن ما تضمره من الم على أحدهم الذي قرأت استشهاده من خلال فك شفرة وردت اليها اليوم ..وعرفت ذلك في اليوم التالي من خلال نشرة الاخبار التي ذكروا فيها ..استشهاد النصير البطل أبو علي النجار ..! قلت لها ..هذا الخبر هو الذي آلمك يوم أمس ..!! قالت نعم وحاولت حبس دموعها..فكلمتها عنه وعن عملي معه كمستشار سياسي وكان هو يشغل مهمة آمر فصيل ..تألمنا كثيراً عليه ..ولكن هذه حركة وأكيد سيكون فيها المزيد من الشهداء ..! في أواسط الثمانينات كنت أدرس في بلغاريا وكانت الشهيدة انسام تفكر بمساعدتي من خلال ما تتقاضاه من مساعدات مالية قليلة من الحزب وارسلت لي مئة دولار قمت بإرسالها الى اختي كوثر التي كانت قبلي تدرس في روسيا وبعدها في كييف ..لم أسمع بخبر استشهادها في الاسابيع الاولى الى الرغم من ان بعض الرفاق صاروا يسألوني عنها وهل يصلني منها اي خبر ..! وهم طبعاً يعلمون ولكنهم يخشون إخباري وبعد حوالي شهرين او أكثر وكان الفقيد ابو حسام قد جاء زائراً الى بلوفديف المدينة التي كنت ادرس بها وفكر بطريقة ذكية ان أعلم وهو أن يضع قربي مجموعة صحف وبيانات لكي اطلع عليها ومنها جريدة الحزب الشيوعي السوري التي نشرت الخبر وقرأته مرتين وهم في سكون مطبق ..قلت لهم ..يمكن أختي استشهدت ..! لأن ما كتب هنا هو عنها بالضبط ..!! قاموا بمصافحتي وتقبيلي وتعزيتي وأنا غير مصدق فأوعز الرفيق الطيب الراحل ابو حسام للرفيق فارس زهرون ابو عادل بأن يذهب معي هذه الليلة ولا يتركني أنام بمفردي والسهر على راحتي وهذا ما حصل ..ثم بعد ايام قليلة وكان عندي اجتماع حزبي وبوجود مشرف من صوفيا فوقع تحت بصري بيان عن العملية التي استشهدت بها اختي موناليزا ومن خلاله تم ذكر ان اختها الصغرى سحر ايضاً استشهدت قبلها في سجون النظام وهنا لم أتمالك أعصابي ..فصرخت بهم ..هذا يعني ان اخواتي الاثنتين استشهدتا ولم تخبروني ..! قلت مع نفسي ..هذه هي ضريبة النضال ..!! طبعاً عم الحزن كثيراً على استشهاد انسام في كردستان وفي مدن العراق كافة واذيع الخبر بعد اسبوع من اذاعة صوت الشعب العراقي ونعي المكتب السياسي لها وبالصدفة كان أخي جمال واختي انتصار مختفين في بيت ببغداد وقد تفاجئوا بسماع الخبر وهم ينصتون للاذاعة بصوت خفيض , لكنهم أخفوه عن والدتي ولم يخبروها بهذا المصاب الجلل الذي حل بعائلتنا ..! وبعد اسابيع وللآن كتب ويكتب عنها الكثير من المقالات والتعليقات في وسائل التواصل الاجتماعي وكتبت عنها اشعار جميلة وايضاً هناك يوجد لها شريط فيديو يمجد ذكراها في برنامج حديث عراقي لباسم الانصاري وكان بعنوان ..(موناليزا العراق / مناضلة الحزب الشيوعي العراقي.). ويمكن البحث عن هذا الفيديو من خلال يوتيوب .عاشت أختي موناليزا 35 عاماً فقط ولكنها كانت زاخرة بحب الوطن والدفاع عن مصالح الشعب ولم تفكر خلال حياتها كلها بنفسها وكانت عبارة عن كتلة حماس ثورية مسخرة لمصالح الشعب العراقي . وفي اول راتب تقاضته بالتعليم حققت لي أمنية هي ان يكون عندي ساعة يد ..إشترتها لي من جمعية المعلمين بالاقساط وكانت تسألنا عن احتياجاتنا وما نريده من شيء بالاضافة الى ان راتبها صار بيد الوالدة تتصرف به لسد حاجات البيت الكثيرة .المجد للشهيد انسام في ذكراها الاربعين والمجد لكافة شهداء حزبنا وشعبنا العراقي الابرار ..
ذكريات عن أختي الشهيدة موناليزا لمحطات من حياتها ( 2 من 2 )