تغنى الكثير من الشعراء بنهر دجلة وضفافه الجميلة (يا دجلة الخير..). سقى الزرع، طَيبَ الهواء في الأماسي، تنقل الناس في مياهه من مدينة لأخرى، لازال مصدر رزق للكثيرين بثروته السمكية. لكنه ليس بالقدر الجميل هذا للجميع.
فتية في مقتبل العمر، جمعهم حلم الوطن الخالي من القمع والخوف. وطن تسوده المودة وحب الناس بعضها لبعض، ونبذ الكراهية، وأحترام الجميع لبعضهم، بغض النظر عن كل أختلافاتهم وفوارقهم المتعددة.
هذا الحلم لا يمكن تحقيقه دون أن تسعى أليه بجهدك وعرق جبينك وتضحيتك الكبيرة. لهذا ترك هؤلاء الفتية الأهل والدراسة والعمل، وتوجهوا لحمل السلاح ومقاومة دكتاتور البلد وصحبه.
في ليلة ظلماء حمل كل واحد منهم ما يستطيع وأكثر من سلاح ومعدات عسكرية، من نقطة أنطلاق المفرزة (سوريا بأتجاه كردستان العراق). هي ما يحتاجونه مع أصحابهم الأخرين لمواصلة درب النضال الطويل. الحمل الثقيل يبطئ حركتهم المرسومة خطواتها بكل دقة تبعاّ لمواعيد زمنية محسوبة. كان الطريق بالنسبة اليهم ينقسم لعدة مراحل، لكل مرحلة وقت محدد لكي يتسنى لهم الوصول بنهاية الليلة الى منطقة آمنة (جبل بى خير)، تحميهم من رصد قوات العدو المنتشرة بكل المساحة الجغرافية التي يتحركون فيها. اي تأخير يعني أضطراب المواعيد بالنسبة للمناطق التالية التي تتباين خطورتها، لكن أشدها كان عبور نهر دجلة.
وصلت المفرزة قرب سفح نهر دجلة بعد جهد وتعب واضح على الجميع، بسبب ثقل الأحمال التي على أكتافهم. بدأ الأستطلاع مراقبة الأوضاع حول ضفتي النهر. لاحظوا أكثر من أشارة تشير الى أن الأمور على الضفتين ليست بالآمنة (قدحة ولاعة، اشارة ضوء..). ما العمل في هذه الحالة التي تشير الى هذا الوضع غير السليم؟.
مسؤول المفرزة (ابو هديل)، المعروف بشجاعته وهدوء أعصابه وعدم تطيره في مثل هكذا حالات. تداول الموضوع مع الأخرين، ثم قرر عدم العودة الى نقطة البداية (سوريا). السؤال هنا: لماذا أختار المواصلة وليس الانسحاب؟.
كان للصراع المحتدم بين مفرزة الطريق ورفاقهم في القامشلي، أثر كبير في اتخاذ مثل هكذا قرارات، حتى وأن كانت القرارات غير مناسبة للمفرزة. المفرزة تعي جيداّ أن عدم العبور يعني خيبة أمل تتحملها وحدها، لا يقدرها الأخرون سواء رفاق القامشلي أو القيادات الأخرى في (كردستان والشام). كل هذا يجعل المسؤولية ضخمة على عاتق المفرزة، وبالدرجة الأولى مسؤولها (أبو هديل). من كل ذلك لابد لنا أن نفهم لماذا أختار أبو هديل العبور كخيار أول.
- أبو هديل: رفاق لنتحرك قليلأ ونبتعد عن مصدر هذه الأشارات ومن ثم نعبر النهر.
لا حركة تأتي من الضفتين، وكأنه الهدوء الذي يسبق العاصفة، (تبين فيما بعد أن الهدوء كان من ضمن خطة مدروسة للعدو قبل الأنقضاض على المفرزة).
توزعت المفرزة بين مجموعة تولّت حماية الجميع من موقع مرتفع قريب من الآخرين، ومجموعة أخرى انشغلت بإعداد (الكلك)، وهو عبارة عن مجموعة من الإطارات المنفوخة والمربوطة معا، تُستخدم للجلوس عليها وعبور نهر دجلة. بعد ان أنتهت عملية اعداد (الكلك)، نودي على مجموعة الحماية للمجئ والصعود على (الكلك) استعدادا للعبور. ما أن تحرك (الكلك قليلاّ)، حتى واجهت المفرزة وابلا كثيفا من النيران من عدة أماكن. كان ذلك كافياّ لالحاق خسائر كبيرة بالمفرزة وارباك حرتكها. فقد كانت المفرزة بالماء، وفي أضعف حالات القتال، نتيجة تجمع أفرادها في مساحة ضيقة وغير مناسبة، مما حدّ من قدرتها على الرد على مصادر النيران بصورة مؤثرة. رد بعض الأنصار على مصدر النيران الكثيف، فساهم ذلك بتوقفه للحظات كانت كافية لتمكن المفرزة من العودة الى جرف النهر من جديد والأنتشار على ضفته.
استشهد بعض رفاق المفرزة في الضربة الأولى، من بينهم: (أبو ظفر وأبو جهاد)، فيما أُصيب آخرون بجروح، منهم (أبو سحر وناهل وأبو أيمان).
بدأ الجميع القتال ضد الكمين الذي كان يضرب من جهات مختلفة. توزعت المفرزة لعدة أقسام. مجموعة أستقرت على مرتفع، وبدأت تشاغل الكمين وتجمع الرفاق (رمضان الدليل، ابو وسن، ابو شهاب، كاوه، أبو عليوي..). مجموعة خرجت للتو من النهر وبقربها الكلك وعلى سطحه ملقاة جثة.
- ابو خلود: يا ألهي أنه ابو ظفر الجميل، صاحب الوجه البشوش، كأن أسمه (بشيش) يليق بمقامه، والنكتة الطريفة والطاقة الأيجابية على الدوام. دعنا يا حيدر ندفع الكلك الى نهر دجلة مع أبو ظفر لكي يكون قبره في هذا النهر الذي حتى وأن كان لنا محنة ومعضلة لكنه يبقى أفضل من أن تقع جثته بيد هؤلاء السفلة.
أبو هديل يحاول صعود مرتفع صغير يتبعه ابو خلود واذا بهم يسمعون منادي:
تعالوا يارفاق سلموا أنفسكم!
كيف عرفوا بأننا شيوعيون، ونادونا بالرفاق وليس (كاكا) على أعتبار أننا بيشمركة أكراد؟. مع مرور السنين وتوالي الاحداث، بدأت تتكشف حقيقة هذا الكمين اللئيم، الذي كان على دراية كبيرة بكل تحركاتنا، ولهذا كمنوا لنا بطريقة محكمة. أشترك بالكمين عدة جهات عسكرية وجحوش وقوات خاصة، (وبالتأكيد كانت لديهم وشاية من خارجنا ومن داخلنا).
- ابو هديل: آفا خوات... عليهم يارفاق، ثم بدأ يزغرد، وكأنه في ليلة عرس وزفة لا في ساعة قتال. بندقيته تطلق الرصاص، وفمه يطلق الزغاريد، حتى أن افراد الكمين أرتبكوا وسكتوا للحظات، متفاجئين بهذا الرد الجسور. نفدت الطلقات الموجودة في مخزن بندقيته، وهو لا يزال واقفا بكامل قامته، بكل شموخ وثبات. عندها انتهز العدو تلك اللحظة، وأمطره بوابل من الرصاص، فسقط على إثرها شهيدا. (كان شرواله لوحده يحمل ثقوب ثلاثة عشر أطلاقة). تعاون أبو خلود مع حيدر لكي يكون نهر دجلة من جديد المثوى الأخير للشهيد ابو هديل، فهذا النهر يبقى أطهر ألف مرة لجثة الشهيد من ايادي الأعداء.
على مقربة منهم كان ابو سحر ممدد على الأرض، يئن من جرح عميق في صدره. أحتضنه حيدر، وبدأ يئن معه ويواسيه، فهو نديمه المقرب، وصديق روحه، وشريكه في البساطة والتضحية والبراءة.
- حيدر: ابو خلود ساعدني لكي نحمل ابو سحر، فلا يجب أن نتركه هنا.
الواقع يملي عليك التفكير بحكمة بعيداّ عن العواطف وحتى من الناحية العسكرية، لا توجد أمكانية لحمل الجريح لمسافة تزيد عن أربعة ساعات متبقية من الطريق للوصول لمنطقة آمنة. انت ملاحق من قبل قوات مدججة بالسلاح والعدد الكبير، ناهيك عن عدم وجود اية معدات لحمل الجريح (اخشاب، بطانية...الخ)، فضلا عن أن الجرح عميق وكبير، مما يعني أن نهاية الرفيق محتمة بعد لحظات. من يجرؤ على قول كلمة لا نستطيع أن نسحبك معنا يا رفيق. حيدر لا يجرؤ على النظر بوجه ابو سحر لأنه يخاف أن تبقى نظرة العتاب أمام عينيه طول العمر. تطوع ابو خلود للمهمة وأخبر ابو سحر بذلك والذي بدوره تفهم الحالة وتمنى لهم السلامة.
هل أنتهى الموضوع عند هذا الحد؟
لا هنالك جريح أخر ملقى على الأرض (ناهل)، وحالته أشد خطورة من ابو سحر. أدرك حينها أن الرفاق لن يستطيعوا أن يساعدوه لذلك لم يتوسل أو يصعب الأمور عليهم وأنما قال لهم:
- سلموا على الرفاق وأذهبوا بالسلامة وأعطوني مسدس.
أي جَلدِ هذا، أي قوة وأرادة هذه، حقاّ أنها أمثولة ليست بشجاعة استقبال الموت والشهادة فحسب، وأنما بالصورة التي يحفظ فيها كرامته ويخلد اسمه ويسهل على رفاقه الموقف ولا يحرجهم.
- ابو عليوي: ابو خلود، كل الرفاق متجمعين هناك، وراح يرجعون لسوريا، فقط انتم الباقون، فهل تجون، لو عندكم موقف اخر؟.
- لا موقف ولا شيء، نجي وياكم.
عادت المفرزة الى سوريا وهي تحصي المفقودين (ابو هديل شهيد، ابو ظفر شهيد، أبو جهاد لم يره أحد من أول الضربة، لذلك أجمع الكل على استشهاده، أبو أيمان مفقود، تبين لاحقاّ بأنه جريح وأعتقل وأعدم في سجن ابو غريب عام 1985 بقصة بطولية، أبو سحر أعتبر شهيد على ضوء جرحه الخطر، ناهل كذلك أعتبر شهيد، أبو أفكار مفقود أتضح فيما بعد بأنه الوحيد الذي عبر للضفة الأخرى وواصل المسير الى مقر بهدينان. استشهد مع المفرزة مساعد دليل سوري وعدد من الحزب الأشتراكي حيث كانت المفرزة مشتركة معهم.
*المعلومات المذكورة حول ليلة استشهاد الرفاق بناءاّ على شهادة ابو خلود (زيدان خلف) وبعض الكتابات حول الحادثة ومفصلة في كتاب (حكايات الطريق).