في فترة دراسة الدورة العسكرية الخاصة في عدن، عاصمة اليمن الديمقراطي (1981–1982)، استعداداً للالتحاق بحركة الأنصار في كردستان، ضمّت مجموعتنا، المكونة من عشرة رفاق، وهي الأولى بين الدفعات الدراسية الخاصة من الشيوعيين العراقيين، وحملت بين الدفعات العامة الرقم (9)، أسماءً بهيةً وعزيزةً على القلب، وما زالت ذكراها تسكن الوجدان حتى اليوم.
ضمن المنهج الدراسي المكثف، في قسم الدراسات الإنسانية، كان علم النفس من أكثر المواد التي استهوتني شخصياً، فأوليته اهتماماً خاصاً، وحصلت فيه على درجات متميزة. وكجزء من آليات البرنامج الدراسي، كان يُطلب من طلبة المراحل المتقدمة مراجعة بعض الدروس مع طلبة الدفعات اللاحقة. وبينما اختار رفاقي وزملائي دروساً معيّنة تتناسب مع رغباتهم، اخترت علم النفس. ومن أجل ذلك، وجدت نفسي مدفوعاً إلى قراءة مراجع عديدة خارج المنهج المقرر. وهكذا وقع بين يدي كتاب (قصيدة تربوية) للمربي والمفكر الأوكراني-السوفياتي أنطون مكارينكو (1888–1939)، صاحب النظرية التربوية التي تقوم على التربية الجماعية، وربط التعليم بالعمل والانضباط والنشاط الاجتماعي. وقد طبّق أفكاره عملياً في مؤسسات إصلاح الأحداث، وأسس بنفسه وأدار (إصلاحية غوركي) في ضواحي موسكو، في أوائل عشرينيات القرن الماضي، لإعادة تأهيل الأطفال المشردين وضحايا الحروب والفقر. وطبّق فيها نظرياته في تحويل الجانحين إلى أفراد منتجين وفاعلين في المجتمع عبر الانضباط، والعمل الجماعي، وتحمل المسؤولية. ولا تزال كثير من الأنظمة التربوية الأوروبية تستفيد من مبادئه في هذا المجال.
لكن... لم يكن أحد يتوقع أن يصبح أنطون مكارينكو بطلاً من نوع آخر في شقتنا في عدن، في منطقة الشيخ عثمان!
كان كتاب مكارينكو يتألف من ثلاثة أجزاء ضخمة، من إصدار دار رادوغا السوفياتية، وبغلاف من المقوّى بلون بني. بدأت قراءة الجزء الأول، منشغلاً بتسجيل ملاحظات واقتباسات مهمة، وكعادتنا في المجموعة، كنا نتبادل الحديث عمّا نقرأ، ونناقش الأفكار الجديدة. أثار كتاب مكارينكو اهتمام الجميع، فاتفقنا على أن يبدأ العزيز الراحل ملازم فائز ــ سلام جليل إبراهيم (1955–2010) بقراءة الجزء الأول، بعد انتهائي منه وانتقالي إلى قراءة الجزء الثاني.
ومنذ تلك اللحظة، اشتعلت بيني وبين فائز مناقشات لا تهدأ حول أفكار مكارينكو وتفسير مواقفه التربوية. وسرعان ما انجذب بقية الرفاق إلى هذه الحوارات والسجالات، ودخلوا معنا على الخط، وصار مكارينكو واحداً من أفراد الشقة، وتحمّس الشهيد ملازم سامي ــ ناظم مصطفى عبد الأمير (1952–1988)، وبادر إلى حجز دوره لقراءة الجزء الأول من الكتاب بعد انتهاء فائز وانتقاله إلى الجزء الثاني، وأكون حينها قد انتقلت إلى الجزء الثالث، وكأننا نتناوب وندور حول استلام مهمة حزبية!
كنا عشرة رفاق نسكن شقة متوسطة الحال، مؤثثة، في عمارة مخصصة للخبراء والأساتذة، من روسيا وبعض البلدان العربية، في منطقة الشيخ عثمان، رتبتها لنا قيادة المنظمة الحزبية، وعشنا فيها في سرية تامة، حتى عن رفاق التنظيم الحزبي في عدن، وكان الشخص الوحيد المسموح له بزيارتنا مسؤولنا الحزبي، الرفيق عدنان عباس ــ أبو تانيا، عضو اللجنة المركزية للحزب، الذي كان يعاني كثيراً من خروقاتنا للسرية والتكتم، خصوصاً مني ــ ملازم كرم ـ يوسف هداد، والرفيق العزيز ملازم هشام ـ جاسم محمد عيسى والراحل ملازم فائز، ونجحنا بعض الوقت في جر الراحل ملازم قصي ــ قاسم ناظم (1955–2022) الى بعض "نشاطاتنا اللاصفية"!. سألتني يوماً صاحبة الكشك القريب من محل سكنا، لماذا شعري قصير مثل العسكريين ــ نمرة أربعة ــ؟ طبعاً، سرية وجودنا ومهمتنا الدراسية الخاصة، وللتغطية على غيابنا المتواصل بسبب وجودنا في معسكرات التدريب، دفعتني إلى القول إني أعمل (خبيراً في الثروة السمكية)!! وأن وجودنا الدائم في عرض البحر وبسبب الملوحة العالية، أصبت بحكة في فروة رأسي، فنصحني الطبيب بحلقه هكذا. ولم يكن إدعاء "الخبرة" بعيداً تماماً عن الواقع، إذ عملت سنوات طويلة في صباي وأول شبابي مع أخوالي في صيد السمك، حتى إنني أمزح بأن زفرة سمك الفرات والأهوار ما زالت تطلع من خياشيمي. وتلقف العزيز فائز حكاية "الخبير"، فأخبر بدوره فتاته بالسبب نفسه، وهكذا أصبح الجيران يعرفون شقتنا بأنها شقة (الخبراء في الثروة السمكية)! وكاد أبو تانيا يجن حين سمع بذلك!
تتكون الشقة من غرفتين وصالة وملحقاتها: مطبخ وحمام، وفيها شرفة من جهة الصالة، وكانت مقتضيات السرية والصيانة تفرض عدم الظهور أو الوقوف فيها لأي سبب. كنت أنام مع الراحل فائز والعزيز هشام في أصغر غرفة، بينما ضمت الغرفة الثانية ــ الأكبر ــ الشهيد ملازم حامد ــ وهاب عبد الرزاق (1950–1983)، والشهيد ملازم نبيل ــ نضال حمزاوي عبد نور (1956–1985)، والشهيد ملازم حسان ــ جبار شهد (1956–1983)، والراحل ملازم قصي. أما الصالة الواسعة فكانت من نصيب طيب الذكر ملازم حازم / أسعد ــ صادق عبيد حسون والشهيد سامي، في حين كان رفيقنا العاشر، مدلل المجموعة، ملازم علي ــ سالم طه سالم، يزورنا بعض الأحيان، ولكنه عملياً كان يقيم مع زوجته الشهيدة أحلام ــ عميدة عذبي الخميسي (1956–1983) في سكن منفصل في منطقة خليج خور مكسر.
وبعد أيام قليلة من بدء مشوار القراءة في كتاب مكارينكو، في منتصف الليل، استيقظ البيت كله على صرخة مدوية... كانت صرختي!
داهمني كابوس مرعب، أيقظ الرفاق في الصالة وفي الغرفة الثانية. أسرع العزيز قصي يحمل لي كأس ماء، بينما كان سامي يتمتم متذمراً، لأنه من النوع الذي يحتاج إلى مفاوضات طويلة مع النوم حتى يعود إليه إذا استيقظ. أما فائز، فقد وجد في الموقف مادة دسمة للسخرية، ولم يترك تعليقاً إلا وأطلقه. وفي اليوم التالي، استمرت النقاشات حول رفيقنا الجديد مكارينكو، وأصبح الكابوس نفسه جزءاً من الحوار، وكأن الرجل خرج من صفحات الكتاب ليشاركنا جلساتنا وسهراتنا!
وفي الإجازة التالية، وكنا عادة نعود إلى الشقة كل مساء خميس ونهار جمعة لنعيش جواً مدنياً بعيداً عن أجواء العسكرة والإنذارات الوهمية التي لا تتوقف، بوصفها جزءاً من البرنامج التدريبي والدراسي، جاءت المفاجأة. بعد أسبوع بالتمام والكمال من الكابوس الأول، الذي داهمني، وفي منتصف الليل، استيقظ البيت مرة أخرى... هذه المرة على صراخ صادر من الراحل فائز، صراخ يتناسب تماماً مع قامته الطويلة وحجمه الكبير!
نهض سامي، وهو يفرك عينيه، وكعادته يقضم أظافره، ثم قال بصوت اختلط فيه النعاس بالاحتجاج:
ــ شباب... أنتم الاثنين قريتوا كتاب مكارينكو، وصارت تجيكم كوابيس، وأنا حاجز دوري بعدكم... لا، عيني... لا! بطّلت أقراه. أخاف يطلع لي مكارينكو بالمنام مثل ما طلع لكم!
ومنذ تلك الليلة، لم يعد اسم مكارينكو عندنا يدل على المربي والمفكر الكبير، ولا على صاحب (قصيدة تربوية) التي تُرجمت إلى أغلب لغات العالم، بل أصبح اسماً حركياً دالا لكل من يستيقظ مذعوراً من كابوس. فإذا سمعنا صرخة في الليل، لا نسأل: "خير؟"، وإنما نقول ضاحكين: (ها... شكله مكارينكو زارك الليلة!).
ولا أدري ماذا كان سيقول الرجل لو علم أن أشهر أثر تركه في مجموعة من الدارسين العراقيين في اليمن الديمقراطي لم تكن نظرياته التربوية وحدها، بل الكوابيس التي حملت اسمه!.