"حرصت جريدة النصير الشيوعي على توثيق وإبراز محطات مهمة من تاريخ الأنصار الشيوعيين وتجاربهم النضالية والانسانية والابداعية. ومن هذا المنطلق واصلت لقاءاتها مع عدد من الأنصار، ومن بينهم الكاتب النصير جاسم الحلفي (أبو أحلام) الذي استعرض مشكورا جانبا من مسيرته في صفوف الحركة".
النصير الشيوعي: كيف كانت مصاعب البدايات الأولى في حركة الأنصار؟
كانت البدايات شديدة القسوة والتعقيد، لأننا خرجنا من الحياة المدنية، إلى حياة الكفاح المسلح في الجبال. كنا نحمل أحلام الشباب وأسئلة السياسة والرغبة العميقة في التغيير، ثم وجدنا أنفسنا نحمل السلاح بوجه سلطة فاشية لا تتردد في استخدام كل وسائل القمع والبطش..
لم يكن الذهاب إلى الجبل قراراً سهلاً أو مغامرة عابرة، بل كان موقفاً وجودياً وأخلاقياً وسياسياً وفكرياً في آن واحد. فالإنسان حين يختار حمل السلاح دفاعاً عن الحرية والكرامة، يدخل منطقة أخرى من التفكير والمشاعر والحياة، والجبل لم يكن مجرد مكان نلجأ إليه، بل كان عالماً كاملاً بتضاريسه القاسية وتفاصيله اليومية ومخاطره المستمرة. كنا نواجه نقصاً في السلاح والتموين والخبرة العسكرية، إلى جانب قسوة المناخ، والتنقل الدائم، والتحسب المستمر من هجمات قوات النظام الدكتاتوري ومرتزقته.
هناك إرادة جماعية تدفع الجميع لتحمل الجوع والتعب والبرد والعزلة والخوف، وربما كانت تلك الروح، أكثر من السلاح نفسه، أحد الأسباب الحقيقية لقدرة الحركة على الاستمرار والصمود، ولا يمكن الحديث عن تلك البدايات من دون التوقف باحترام وامتنان أمام الدور الكبير الذي لعبته جماهير كوردستان في احتضان الأنصار ودعمهم. لقد شكّل ذلك الاحتضان سنداً إنسانياً ومعنوياً بالغ الأهمية، وساهم في
استمرار الحركة في أصعب الظروف.
النصير الشيوعي: في أي من العمليات والنشاطات القتالية شاركتم؟
من المهم القول إن تجربة الأنصار لم تكن مجرد عمل عسكري صرف، ولم يكن حمل السلاح هدفاً بحد ذاته. كانت هناك أبعاد سياسية وفكرية وثقافية وإنسانية وتنظيمية حاضرة بقوة في تلك التجربة. فالنصير الشيوعي لم يكن مقاتلاً فقط، بل كان يحمل فكرة، ويدافع عن قضية، ويحاول أن يقدم نموذجاً مختلفاً في العلاقات الإنسانية والتضامن والعمل الجماعي. كانت معركتنا الأساسية ضد الدكتاتورية والاستبداد، ومن أجل الحرية والعدالة وكرامة الإنسان، أما السلاح فكان وسيلة فرضتها ظروف تلك المرحلة القاسية.
أول عملية شاركت فيها ضمن صفوف الأنصار كميناً ضد مرتزقة النظام على طريق قرداغ _ السليمانية
تمكنّا خلال العملية من ضرب سيارتين للمرتزقة، وكنتُ ضمن مجموعة الاقتحام، ولم أنسحب إلا بعد أن حصلتُ على قطعة سلاح كغنيمة، تلك العملية أول اختبار حقيقي لي في الحياة الأنصارية، بكل ما حملته من خوف وتوتر وحماس وإحساس عالٍ بالمسؤولية..
وقد أسهمت تلك العملية، إلى جانب عوامل أخرى، في أن يكلّفني الرفاق بمسؤولية حماية المكتب السياسي والمكتب العسكري في منطقة نوزنك، حتى انتقال المقرات إلى بشاشتان، وهناك كُلّفت آمراً لفصيل "بولي، وشاركتُ ضمن هذا الموقع في معركتي بشتاشان الأولى والثانية، وهما من أكثر المحطات قسوة وألماً في تجربة الأنصار الشيوعيين. وقبل اندلاع المواجهات بأيام، تمكنا من أسر قوة تابعة للاتحاد الوطني ".
الكوردستاني كانت تتحشد في المنطقة، وتضم المسؤول السياسي والمسؤول العسكري لملبند أربيل للاتحاد، وكانت تتحرك بثلاث سيارات. لكن، وللأسف، لم تُقرأ تلك التحشيدات قراءة دقيقة من قبل قيادة الحزب آنذاك، فتم توبيخنا وإطلاق سراح المحتجزين، بل وتجهيزهم بالمعلبات الجافة أيضاً. وبعد أيام، في يوم 1 أيار 1983، وقعت الكارثة التي يعرفها الجميع.
لقد كانت تلك المرحلة من أصعب المراحل التي مرّت على الأنصار، لما رافقها من مواجهات دامية وخسائر مؤلمة وتعقيدات سياسية وعسكرية كبيرة.
كما شاركتُ في معركة قلاسنج، ولاحقاً في معارك بوريجة، وفي أغلب المواجهات التي شهدها قاطع أربيل بعد بشتاشان وحتى المصالحة مع الاتحاد الوطني الكوردستاني. والحقيقة التي ينبغي قولها بوضوح إننا، وخصوصاً بين عامي 1983 و1986، كنا نواجه عدوين في وقت واحد: قوات النظام الدكتاتوري من جهة، وقوات الاتحاد الوطني الكوردستاني من جهة أخرى، في تلك المرحلة، كان الاتحاد الوطني يشكل عملياً خط المواجهة الأول دفاعاً عن النظام، ودخلنا معه في مواجهات قاسية ومؤلمة تركت جروحاً عميقة في نفوس الجميع، لأن ما كان يؤلمنا حقاً أن السلاح الذي كان يفترض أن يوجَّه ضد النظام، جرى توجيهه نحو قوى أخرى كانت أيضاً تعارض الدكتاتورية، رغم اختلاف المواقع والسياسات.
وقد كان السرية الذي تشرفت بقيادتها من بين القوى القليلة التي استمرت تتحرك وتنشط في سهل أربيل وقرجوغ وكندناوه وبرانتي بعد أحداث بشتاشان وحتى المصالحة مع الاتحاد الوطني، وسط ظروف شديدة القسوة والتعقيد، وفي مواجهة مستمرة سواء مع قوات الاتحاد الوطني أو مع قوات السلطة وأجهزتها العسكرية والأمنية ،وفي تلك المرحلة نزلت سرايا أربيل وبرانتي التابعة للفوج الخامس، وشكّلت سرايانا الثلاث مع قيادة الفوج الخامس، بالإضافة الى فوج 31 آذار وباقي قوات قاطع أربيل، قوة مهمة أنجزت عدداً من المهمات السياسية والعسكرية البارزة ضد النظام الفاشي ..
أما في المواجهات مع قوات النظام، فقد شاركتُ في معارك حسن بيك، وهيلوة، وعلياوة، إضافة إلى معارك بنباوي وباليسان، فضلاً عن عشرات العمليات العسكرية الأخرى التي تنوعت بين اقتحام الربايا العسكرية، وإقامة السيطرات على الطرق الرئيسية المؤدية إلى أربيل، وتنفيذ الكمائن والهجمات المباغتة ضد مواقع السلطة.
كما خضنا عمليات داخل مدينة أربيل، استهدفت بعض مواقع النظام وأجهزته الأمنية والحزبية، واعتمدت تلك العمليات على العمل السري والتنظيم الدقيق. ومن أبرز تلك العمليات السيطرة على الأقسام الداخلية لجامعة صلاح الدين، ضمن قوة تجاوز عدد أفرادها المئة نصير، دون إطلاق رصاصة واحدة، وكانت من العمليات المهمة سياسياً ومعنوياً وإعلامياً في حينها، باغتت أجهزةالنظام الأمنية واذهلت الجميع، كانت تلك العلمية الكبيرة على طراز عمليات(التوباماروس)
وبعد حملات الأنفال، تحوّل جانب أساسي من نشاطنا إلى العمل السري داخل المدن. وفي تلك المرحلة شاركتُ في عملية التسلل إلى مركز شباب عينكاوا واقتحامه، حيث تمكنا من الاستيلاء على أجهزة ومعدات وطابعة استُخدمت لاحقاً في العمل السري.
وفي الحقيقة، فإن بعض المعارك لم تكن بالسلاح وحده، بل كانت معركة صمود يومي في مواجهة الجوع، والبرد، والحصار والخوف. أحياناً كان الوصول إلى قرية نائية وسط الثلوج، أو حماية مجموعة أثناء الانسحاب، أو إنقاذ رفيق مريض، يوازي في أهميته أي اشتباك عسكري.
لقد كانت حياة الأنصار مليئة بالمخاطر والتضحيات، لكنها كانت أيضاً مدرسة في الصبر والإرادة والعمل الجماعي. ولم تكن التجربة مجرد تجربة قتالية، بل كانت تجربة إنسانية ووطنية عميقة، امتزج فيها الألم بالأمل، والخسارة بالإيمان بعدالة القضية التي ناضلنا من أجلها .
النصير الشيوعي: ما هي أهم القضايا الإنسانية التي ظلت في بالكم؟
هناك الكثير من الصور والمواقف التي بقيت عالقة في الذاكرة رغم مرور السنوات. أتذكر رفاقاً استشهدوا وهم في ريعان الشباب، يحملون أحلاماً بسيطة وكبيرة في آن واحد: وطن حر، وعدالة، وحياة تليق بالبشر. كانوا يذهبون إلى الموت بأعمار صغيرة، لكن بأحلام أكبر من أعمارهم.
ومن أكثر المشاهد التي ما زالت تسكن ذاكرتي، الخوف في وجه طفلة كوردية صغيرة حين كانت قوات المرتزقة تتقدم نحو قريتها، وهي تصرخ بلهجتها البسيطة: "قوة هات... قوة هات"، أي "القوات قادمة". لم تكن تدرك معنى السياسة أو الحرب، لكنها كانت تدرك معنى الخوف، ومعنى أن يقتحم الرعب القرية والبيوت والناس.
كما لا أنسى معاناة العوائل الكوردية الفقيرة التي تحملت أعباء الحرب والقصف والتهجير. كانت الإنسانية تظهر أحياناً في أكثر اللحظات قسوة. امرأة ريفية تخبز للأنصار وهي تعلم أن المرتزقة قد يقتحمون القرية في أية لحظة.
كذلك بقيت في الذاكرة العلاقات الرفاقية النبيلة التي تشكلت تحت ظروف الخطر. ففي الكفاح تظهر المعادن الحقيقية للبشر. هناك من كان يمنح الآخرين آخر ما يملك، ويخاطر بحياته من أجل إنقاذ رفيقه، أو يتحمل الجوع والبرد والتعب بصمت كي لا يثقل على الآخرين.
وأعتقد أن ما بقي في الذاكرة، بعد كل تلك السنوات، ليس صوت الرصاص فقط، بل تلك اللحظات الإنسانية الصغيرة التي كانت تمنحنا القدرة على الاستمرار، وتذكرنا دائماً لماذا كنا نقاتل، ومن أجل أي وطن وأي إنسان.