يذكرني بيت أبو القاسم الشابي، إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بدا أن يستجيب القدر لنصر شعب غزة المصمم على بقائه في الوجود إما الحرية و إما الإستشهاد و الدفن فيها رغم كل المؤشرات التي تفرض عكس طموحه و مبتغاه من أجل إقامة دولة يتنفس في كنفها عطر الحرية و جو الاستقرار حتى و لو أن الإعانة والمساعدة تخونه في ذلك و تشتت أفكاره.
إن بناء دولة في فلسطين يؤدي لا محالة الى تمتع المجتمع بالحرية و النظام الديمقراطي وهذا لا يتماشى مع النمط السائد في محيطه و من هنا فالمعادلة تتطلب حلين، دولةٌ ديمقراطية و مسألتها أصبحت حتمية و بذلك تتسبب في تفكيك محيطها و سيميل ميزان القوة العالمي إتجاهها، أو وجود حل وسطي مؤقت يسعى اليه بكل قواه الغرب و حلفائه حتى يُضمن و لو مؤقتا التمسك بنصيب مما يملكون و في حالة صورة مشهد تعنتي للمتمسك بمبادئه من الطرفين و استمراره طويلا سيؤدي الى حرب شاملة تقضي على الأخضر و اليابس. لأن الغرب عاش بنمط الدعاية الإعلامية التي يخوف بها المغفلين من المجتمعات ليحقق ما يريد و يستعمل لهؤلاء الشح الإعلامي حتى يزدادوا جهلا.
فالعمل الدؤوب على إنشاء دولة من رحم صراع مؤكد عنه أنه باقي ولا ينتهي (عقائدي) والتي تتم في ربوعها الحرية الحقيقية والاستقرار المراقب دائما و المخطط له حسب كيفية الوضع الميداني و هذا ما يفعله الغرب باستمرار للإستيلاء على العالم. و هذا ما كان ينبه عليه هنري كسنجر وزير الخارجية الأسبق بعدم السماح بالتقرب بين روسيا والصين.
إن إقحام المؤسسات الأممية و طرح الإنشغالات الموضوعية أمامها من طرف الكثير من الدول المتطلعة لحرياتها و استقرارها في هذا الحصن الحصين أوالشبح المخيف الذي كان لا يمس ابدا، يكشف حقيقته للرأي العام و يقلل من فعاليته كما نرى في أروقة مجلس الأمن و محكمة العدل و يعطي الرغبة في بعض القضايا التي تساعد في تصدع تدريجي للقطبية لأحادية التي كان الغرب بواسطتها يهيمن على خيرات الدول و شعوبها. فصمود المرابطين في غزة ركع و حطم و فكك تقريبا كل المخططات التي كان الغرب يرى تنفيذها سهلا و بدون تكلفة من طرفه و إذا تطلب الأمر فجيران المنطقة يتكلفون بالواجب على حسابهم من أجل الحفاظ على الاستقرار و عدم زعزعة مجتمعاتهم. فنجاح كل مشروع سياسي مربوط بقياس عقلية تلك المجتمعات وصمود شعبها و إقدام أبطاله في المعركة و تأكدهم أن لا مُناد على مَنْ تُنادي من قريب فبهذه الطريقة تكون سمات بناء الدولة الفلسطينية و عاصمتها القدس الشرقية على حدود 1967 مرحلة حتمية لا مفر منها و القدر إن شاء الله يستجيب لشعب أراد إقامة دولة في ظل كل المؤشرات التي تفرض العكس .