الكثير من شخصيات البلوغرات والفاشينستات العراقية تتميز بتضخم الأنا على الرغم من فقرها الثقافي وعوزها المنهجي وسطحية طرحها. وتتنوع وتنشطر اهتماماتها بين عرض الأجساد والأزياء والثرثرة والصبينة ،  ولتحسب هذه الاستعراضات الباهتة طريقة عمل مبررة ونوع من البراعة والحذق وأسلوب حياة سمحت به فوضى الديمقراطية التي جلبها بريمر، وهي في التوصيف السيكولوجي  دالة على روح التمرد بعد مرحلة طويلة عاشها المجتمع العراقي تحت وطأة رضوخ قسري واستكانة تحت سطوة متجبر وحشي قامع للحريات.

ولكن هذه الشخصيات تفصح وبشكل ما عن كيانات هشة تعاني من فقدان الأمن وتعيش القلق والخوف مما يخبؤه لها المستقبل، وتتلبسها مشاعر شح في الألفة  والتآزر الروحي جراء الوقوع في تجارب حياتية سيئة عديدة، يتقدمها تشوه في التماسك الأسري أو فشل علاقة عاطفية. لذا نجد نشاطات هؤلاء لا تعد غير سذاجة ومباهاة وهدر للطاقات والملكات الإنسانية.

هدر الطاقات هذا  يعد إجحافًا واهانة لقيمة الحياة الإنسانية وكرامتها، ويأتي ناتجًا لحالة الخوف والمقرون بالتخلف، وحينها يلجأ المرء للبحث عن معيار يبتعد فيه عن واقعه المرير، وهذا لن يتم عند البعض بغير البحث عن الثراء أو الرواج إعلاميا، أي الشهرة أو ما يسمى اليوم باللغة العراقية الدارجة الطشة، وجعل الإعلام ووسائل التواصل ساحة مكشوفة لعرض العضلات  والصراع لحشد المؤازرين والمتابعين. ولكن هذا المعيار أو السلوك، في النتيجة النهائية، لن يكون غير مظهرا خارجيا لا يخفي مشاكل الإنسان الحقيقية. لذا فالتصرفات الاستعراضية لهؤلاء، والرائجة اليوم إعلاميا ، تهدف في أساسها وفي الغالب التستر على عقد أو إخفاء عيوب وتنفيس جراء مشاعر الكبت  والقمع المسلط.

الفاشينيستا توصيف لشخص محب ومولع بالموضة أو الحداثة، ولكن في ذات الوقت غير مهتم بالعلامات التجارية الباذخة والماركات العالمية المودرن. الكلمة مستخلصة من اللغة الإنكليزية Fashionista  وهي تعني في الأصل وحرفيا الموضة، وتدل على من يعمل في مجال ترويج  ماركات الملابس الحديثة أو غير المعروفة والغريبة، وتفسر عند البعض من العراقيين بامتلاك الشخص لموهبة أو مظهر غريب نوعا ما في الجسد والحركات والملبس والتصرفات، ليطلق عليه بالتعريف الدارج طاش أي مشهور، وهنا يحاول الشخص إيصال محتوى تجربته ومنهج تفكيره وعلاقاته وشخصيته من خلال الصوت والصورة وعرض المحتوى لموضوعة اهتمامه، من مثل السفر، الأزياء،  السياسة،الغناء،الترفيه، الرياضة أو التلاعب باللغة أو عرض بضاعة وأي اهتمام أخر. ومن خلال ترويج هذا المحتوى يستطيع المرء جني المال، بجمع أعداد كثيرة للمهتمين بما يعرضه. ويسمى الشخص الذي يمارس هذا النشاط التجاري بالبلوغر Blogger

وهو يعني إنشاء مدونات على وسائل التواصل الاجتماعي تتناسب وأسلوب الحياة المعاشة والأفكار الشخصية.ولكن في مواجهة الابتذال والرثاثة التي تمارس دون قيود ورقابة، وباتت اليوم تدخل دون استئذان بيوت وعقول الكثير من أبناء شعبنا،لذا  نتساءل، ما طبيعة الشبه بين تلك التوصيفات العملية المهنية، وأفعال ونشاط البلوغرات والفاشينستات العراقيين ؟.

الكثير من البلوغرات والفاشينستات العراقيين هم من طبقات المجتمع الدنيا أو من المجاميع حديثة النعمة التي ظهر عليها الثراء بعد عام الاحتلال الأمريكي واختلال وضياع بوصلة الاقتصاد العراقي، وما نتج عنه من تضخم وتكدس للثروات واتساعها اثر عمليات نهب وغش وسرقات،  وتلاعب بوثائق ومستندات، وتجارة لمواد ممنوعة أو مهربة أو سطو وابتزاز. ورافق تلك النعمة الطارئة غزو فائق السرعة لوسائل الإعلام الثقافية والعلمية والترفيه، وسهولة حصول العراقي على تقنيات المعلومة وتخزينها واستخدامها مما أباح للمجتمع المتعطش للحرية، أن يخرج للعلن من أسره الرضوخي القهري إلى فضاء الفوضى الخلاقة التي جلبها رامسفيلد بخصوصية مميزة وإفراط وانفلات نادرين، وبعواقب غير محسوبة ، لينقلنا نحو عالم تتضارب وتتصارع فيه الكثير من الأفكار والتخصصات والرؤى الغريبة، وتختل فيه التوازنات وتتضخم عند البعض من جراء ذاتية آنوية مفرطة تبيح له استغلال الظروف، واستغلال التقنيات والحرية المطلقة، ليمارس مختلف النزوات وأسوء التصرفات، دون حساب أو رقيب، وتكون هذه الأفعال والتصرفات جزءًا من زمن يتلون بصبغة فاقعة من تخلف الأفكار وانحسار الثقافة التنويرية وصعود مد الانحطاط  والابتذال والخرافات والعمى الفكري والقدرية العمياء.

الفاشينيستا والبلوغرات العراقيون هم ورثة الخوف المجتمعي الذي أورثنا إياه حكم حزب البعث على رغم القطيعة الزمنية غير البعيدة، لذا نرى هؤلاء يدورون في ذات الفلك ليكونوا أمناء على الفكر الجمعي الذي يبقي سماته راسخة في وجدان الناس وتظل ظواهره ودلالاته الاجتماعية والنفسية ثابتة تتوالد وتفرز التوافق الوجداني الحاسم، بدءًا من عدم التخلي عن فكرة تسيد القوة وجبروت السلاح. لذا تلجا هذه الشخصيات لكسب ود  ونيل رضا وسطوة القوى المسلحة بمختلف مسمياتها، لتجد في أحضانها الأمن والحصانة، وحين يُحْكم الدخول تحت أجنحة حماية تلك القوى، يحصل تواطؤ وتشابك حلقي بين هؤلاء ورجال يحسبون على مراكز قوى سياسية أو أمنية أو مليشيات وعصابات، توفر لهم الحماية وتقدم لهم التسهيلات المصرفية، ويمنحون حصانة وتفاضل بأشكال وحجوم مختلفة، منها جوازات سفر دبلوماسية وإعفاءات ضريبية وقبل كل هذا عدم الرضوخ للقضاء أو المساءلة. ولكن ومع جميع تلك الإجراءات التفضيلية فأن تلك القوى لا تعافهم على غارب هواهم، لذا تضعهم بالإكراه والتطويع ضمن لعبتها اليومية في لي الأذرع الذي تمارسه ضد بعضها، ولن يكون ذلك غير طمأنة للمصالح الشخصية والحزبية الاقتصادية والمهنية لتلك القوى، التي تكون في الغالب مشكوك بمصادرها

وشرعيتها ، لتصيرهم في النهاية محترفين أسرى الابتذال، ومن ثم ليكونوا في أدنى سلم الإنسانية، ويتحول الكثير منهم إلى ذباب الكتروني مأجور، وربما ينتهي شوط علاقتهم والحاجة لهم حين يتمادى البعض منهم باللعب خارج الحدود المرسومة له، أو محاولة التفرد في صياغة محتوى ( خابط) بعيد عن مصالح القوى المسلحة، عندها يسارع فتيان السلاح لجز العلاقة وقلعها من جذورها .

وبسبب هذه الشراكة غير الأخلاقية تفاقم وضع أغلب البلوغرات والفاشينستات وتحولت مهنهم إلى عمليات ابتذال وترهات واستعراض أجساد والضحك واللهو والتهريج وخروج عن القيم المجتمعية والحط من الفطرة الإنسانية. وكثرت  بوجودهم  ورسخت ظواهر مهينة تحط من قيمة العمل وقدرة الإنسان على الخلق والإبداع المنظم، واستغلال الطاقات والتقنيات لبناء محتوى مبهر وملهم للآخرين، بجمال موضوعاته ومهنيته وصدق تعابيره وبساطة واكتمال نموذجها الحضاري الحيوي الذي يروج للمحبة والعواطف النبيلة والتسامح  ومظاهر الخير، ويعرض للناس مواضيع ذات أهداف وغايات عقلية منطقية وعلمية، تؤكد على جمال الروح ونبالة وشرف العلاقات والعمل المنتج القادر على تغيير ذهنية الأخر وميوله إلى ما هو أفضل نفسيا، ليتحول العمل ومحتواه إلى قوة وموضوعة تطمئن النفس في يومها وغدها .