"جميع الأفكار الواردة في هذا المقال تعبّر عن آرائي الشخصية. من يعرفني يدرك أن الكتابة ليست بالأمر السهل عليّ. أقول هذا من باب الأمانة والإنصاف، وأتحمل المسؤولية الكاملة عن كل فكرة وكل كلمة وردت فيه. وفي الختام، وكما يُقال في أروقة المحاكم، فإنني أتحمل وحدي كامل المسؤولية عن هذا المقال."
"من لا ذاكرة له، لا مستقبل له."
عبارة قديمة لكنها صادقة، تلامس أعماقي كلما حاولت أن أدوّن شيئًا من حياتي، من تجربتي، من هذه الرحلة التي كانت ولا تزال مليئة بالصراعات والأحلام والخيبات.
أخاف من فقدان الذاكرة. نعم، أعترف بذلك. ليس خوفًا مرضيًا، بل هاجس يلازمني كلما استيقظت في الصباح أو تأملت ملامحي المتغيرة في مرآة الزمن. لذا أكتب... وأكتب... لكن الكتابة ليست سهلة كما يظن البعض. إنها صراع داخلي بين ما أريد قوله وما يَصعُب التعبير عنه. أشكر التكنولوجيا الحديثة، خاصة الذكاء الاصطناعي، لأنها تسهّل علينا استعادة هذه الشظايا المتناثرة من ذاكرتنا
أريد أن أكتب عن تجربتي الصغيرة، عن الإنسان الذي كنته وما زلت أحاول أن أكونه. عائلتي الصغيرة، بل وحتى الكبيرة، لا تعرف الكثير عني. لم أتحدث كثيرًا، ربما لأنني كنت دائمًا في قلب الفعل، لا على هامشه. كنت، وما زلت، مناضلاً ثوريًا، آمنت بقضية الإنسان وبحقه في الحرية والكرامة والعدالة.
توفي والدي سنة 1999. كان صامتًا مثل صخور الريف، لكنه ترك في داخلي، نظراته الحادة التي كانت تسبق الكلام. علمني الصبر والوفاء للقيم، رغم قساوة الظروف.
عندما أتكلم عن الذاكرة، لا يسعني إلا أن أستحضر ذلك الحدث العظيم الذي هز المغرب والمغاربة: نفي محمد الخامس في غشت 1953. لكني أتذكر الهزة في عيون الكبار، أتذكر كيف انقلبت حياة الناس، كيف أصبح الخوف سيد الأزقة، وكيف تحول الغضب الشعبي إلى مقاومة صامتة. ماذا لو حدث مثل هذا الآن؟ هل كنا سنثور؟ هل ما زال فينا ذاك النبض الذي يرفض الذل؟ أم أن الاستهلاك واللامبالاة أطفآ نار الذاكرة
لقد عشت لحظات لا تُنسى، بعضها محفور في دفاتر النضال، وبعضها لا يعرفه أحد. مثلاً، لحظة انتهائي من كتابة "ثورة العدسيين" سنة 2016، لم تكن لحظة عابرة. كانت تتويجًا لمسار طويل من التفكير والقراءة والتمرد. أردت أن أصرخ من خلالها ضد العبودية الجديدة، ضد اختزال الإنسان في مجرد آلة إنتاج.
أفكر أيضًا في المقال الثالث والأخير الذي سأكتبه عن المناضل الاتحادي السي محمد الجندالي، الرجل الذي عرفته عن قرب، الذي ظل صلبًا في مواقفه، رغم تغير الوجوه والسياقات. الجندالي كان مدرسة في الوفاء والصدق، والحديث عنه لا ينتهي.
ثم هناك عياد بوخدة، المناضل التروتسكي الذي لم ينل ما يستحق من الاعتراف. كان حادًا، نقديًا، لا يساوم. واجه الجميع بجرأة نادرة، لأنه لم يكن يبحث عن المناصب، بل عن الحقيقة، مهما كانت موجعة.
وأعود بذاكرتي إلى سنواتي في "ليسي مولاي يوسف"... هناك تفتحت عيناي على العالم، على الفكر والسياسة والموسيقى. هناك تعلمت أن للعلم وجهًا آخر، وأن المدرسة ليست فقط مكانًا لحفظ الدروس، بل فضاء لتكوين الذات. كان اليسار قويًا آنذاك، وكانت النقاشات تصل إلى عمق الأشياء، بلا خوف من الرقابة ولا هروب إلى التفاهة.
ذاكرتي ليست فقط سردًا لأحداث، بل روح تسكنني. أكتب حتى لا أنسى، وأتمنى أن تبقى ذاكرتي يقِظة. كل شخص عرفته، كل فكرة آمنت بها، كل لحظة عشتها، هي لبنة في هذا البناء الإنساني الذي أحمله في داخلي.
قد أرحل يومًا، كما رحل والدي، وكما رحل الجندالي وبوخدة، لكن ما أكتبه اليوم هو وصيتي. وصيتي لعائلتي، لأصدقائي، للجيل الجديد الذي لا يعرف عنّا سوى القليل.
الذاكرة ليست ترفًا، بل سلاحًا. ومن يتخلى عنها، يتخلى عن وجوده.
بقلم : عبدالحق الريكي
الرباط، 27 ماي 2025