يستقبل العالم هذا العام مناسبة تاريخية فارقة، وهي الذكرى الثمانون للانتصار على الفاشية وانتهاء الحرب العالمية الثانية. إن مرور ثمانية عقود على ذلك النصر العظيم لا يمثل مجرد رقم زمني، بل هو استدعاء لذاكرة إنسانية عميقة، محفورة في النصب التذكارية وفي وجدان الشعوب، وراسخة في النظام الدولي الذي تأسس عقب تلك الحرب الكونية. وكما تؤكد مصر والصين وكثير من الدول دوماً، فإن انتصار الحرب العالمية الثانية لم يكن مجرد إعادة تشكيل لتوازن القوى، بل كان انتصاراً حاسماً للعدالة والحرية والسلام الإنساني، ونقطة تحوّل رسمت ملامح النظام الدولي الحديث. لقد أثبت التاريخ أن العدالة لا تُهزم، وأن السلام لا بد أن ينتصر، وأن الشعوب قادرة على صنع مستقبلها. هذه الحقيقة لم تكن خلاصة الماضي فحسب، بل هي اليوم محل إجماع إنساني يتجاوز الحدود والقارات.

وفي هذا السياق التاريخي ، تستعد مدينة تيانجين الصينية لاستضافة قمة منظمة شنغهاي للتعاون، في حدث يوصف بأنه الأضخم والأكثر تأثيراً في مسيرة المنظمة منذ تأسيسها. حجم القمة ومستوى المشاركة يعكسان تنامي قدرة المنظمة على التماسك المؤسسي وتعزيز آليات الحوكمة، كما يجسدان الدور المتنامي للصين، الدولة المضيفة، في صياغة أجندة التعاون الدولي.

وما يضاعف من أهمية قمة تيانجين أنها تأتي في ظل خلفية بالغة الأهمية. وهي مرور ثمانية عقود على النصر في الحرب العالمية الثانية، بما يحمله من تذكير العالم ببطولات الشعوب التي قاومت الفاشية وبالتضحيات الهائلة التي بُذلت من أجل حرية البشرية. هذه الذكرى تضع على عاتق المجتمع الدولي واجباً أخلاقياً وسياسياً يتمثل في صون مكتسبات النظام العالمي الذي تأسس بعد الحرب، وعدم السماح لأي قوة بمحاولة تشويه أو تقويض تلك الحقائق التاريخية. أمام هذا الواقع، يُتوقع أن تصبح قمة تيانجين منصة لإطلاق رسائل واضحة، ليس فقط بشأن توسيع مجالات التعاون بين أعضاء منظمة شنغهاي وتحقيق التقدم الملموس في آلياتها المؤسسية، بل أيضاً لإسماع صوت الجنوب العالمي دفاعاً عن العدالة والإنصاف، وإصراراً على التعاون القائم على المنفعة المتبادلة، في مواجهة محاولات الانغلاق والتشرذم.

ومن بين المشاركات البارزة في هذه القمة، تبرز مشاركة رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، والتي تحمل دلالات عميقة على أكثر من مستوى. أولاً، تعكس هذه المشاركة مدى اهتمام القيادة المصرية بتطوير الشراكة الاستراتيجية مع الصين وتعزيز حضورها في الأطر المتعددة الأطراف، وفي مقدمتها منظمة شنغهاي للتعاون. ثانياً، تذكّرنا بأن مصر كانت أول دولة عربية وأفريقية تقيم العلاقات الدبلوماسية مع الصين الجديدة، وأول دولة نامية تدخل معها في شراكة التعاون الاستراتيجي، وهو ما يمنح العلاقات الثنائية طابعاً ريادياً وعمقاً تاريخياً. ثالثاً، لا يمكن إغفال الرمزية الكبرى المرتبطة بإعلان القاهرة، تلك الوثيقة التاريخية التي صدرت في العاصمة المصرية خلال الحرب العالمية الثانية، وشكّلت إحدى الركائز الأساسية للنظام الدولي بعد الحرب. إن مشاركة مصر في قمة تيانجين، في ظل هذه الخلفية، ليست مجرد خطوة دبلوماسية عابرة، بل هي تجسيد للأهمية التاريخية العميقة والرسالة إلى العالم بأن مصر، التي أسهمت في صياغة النظام الدولي بعد الحرب، تواصل اليوم دورها في الدفاع عن الاستقرار العالمي والمساهمة في بناء مستقبل أكثر عدلاً وإنصافاً.

إن السلام، كما يعلمنا التاريخ، ليس وليد الصدفة ولا ثمرة للتمنيات، بل هو نتاج للتضحيات الجسيمة والجهود المشتركة. السلام يحتاج إلى ذاكرة حية تحفظ الدروس، ويحتاج في الوقت نفسه إلى التعاون الدؤوب والمواقف العملية التي تُترجم على أرض الواقع. واليوم، نجد أن دول الجنوب العالمي تقف في موقع أكثر مركزية على المسرح الدولي، وتطرح نفسها بديلاً موثوقاً لمسارات التنمية العادلة والحوكمة المتوازنة. وفي هذا السياق، تأتي قمة تيانجين لتؤكد أن روح التضامن والتعاون والمنفعة المشتركة ليست مجرد شعارات، بل هي خيار استراتيجي قادم يهدف إلى دفع العالم نحو مسار جديد من السلام والتنمية المستدامة. إن الشراكة المصرية الصينية، بما تحمله من تاريخ مشترك ورؤية مستقبلية، ليست مجرد استعادة لذكريات الماضي، بل هي وعد صادق بمستقبل تُسهم فيه القاهرة وبكين معاً في قيادة الجنوب العالمي نحو آفاق أرحب من التعاون.

وعلى هذا الأساس، فإن إحياء الذكرى الثمانين للانتصار على الفاشية لا يُختزل في استعادة صفحات التاريخ، بل يتجاوزها ليكون منارة ترشد الحاضر وتوجّه المستقبل. فالعالم اليوم بحاجة ماسة إلى تعددية أكثر عدلاً وشمولاً، وإلى منظومة التعاون الاقتصادي والسياسي التي تُبنى على قاعدة المنفعة المتبادلة والمصالح المشتركة. إن طريق السلام والتنمية الذي فتحته تضحيات الشعوب قبل ثمانين عاماً لم يُغلق، بل ما زال مفتوحاً أمام كل من يؤمن أن الشعوب هي صاحبة القرار والمصير. وكما أثبت التاريخ في تلك اللحظة المفصلية، فإن العدالة قد تتعثر لكنها لا تنهزم، والسلام قد يتأخر لكنه لا يغيب، والشعوب مهما واجهت من تحديات قادرة على صياغة مستقبلها بيدها. هذا هو الدرس الأكبر الذي يحمله إلينا التاريخ في ذكراه الثمانين، وهو الدرس الذي يجب أن يظل بوصلة عملنا في بناء عالم أكثر إنصافاً وأمناً واستقراراً.

ووي وي يانغ، باحث في قسم دراسات الدراسات الإقليمية والدولية بجامعة صون يات سين