خصص الدكتور حميد عبد الله حلقة خاصة من برنامجه تلك الايام  لعرض وتحليل (وثيقة!)  حسب ادعائه من وثائق اجتماع للجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي في عام 1970، وكان الاجتماع يقوده حسب زعمه الراحل عامر عبد الله  في احد بيوت الكاظمية وتحتوي خطة الحزب الشيوعي العراقي  لأسقاط البعث. ومن اسلوب عرض د.حميد للمعلومات التي اوردها حاول ان يكون فيها  موضوعيا ومحايدا قدر الامكان، لكن اسلوب كلامه  التشكيكي وحماسته  بطريقة تقديمه للمعلومات المفككة و التي تفتقد  للترابط الزمني للأحداث  أفقدته الموضوعية والرزانة العلمية التي يحاول التشبث بها. وتحول في هذه الحلقة من باحث الى مقدم برنامج يستند على الاثارة والتشويق المستندة على معلومات واهية لا تصمد امام الحقائق التاريخية الموثقة والتي كان بامكان الدكتور مراجعتها أذا كان يبتغي الامانة العلمية. في هذه السطور  اطرح الحقائق التاريخية التي تفند ما تطرق لها الدكتور  في سرده الفضفاض والغير مترابط  أثناء عرض ( الوثيقة )  وذلك  للمصداقية التاريخية.

1_ أن تاريخ أجتماع اللجنة المركزية لم يكن في سنة ( 1970 ) حسب ما ذكر بالبرنامج  بل  في تشرين الاول  1965  في دار لم يكتمل تشيده في حي جميلة وقد حضره 25 من كوادر الحزب ضم أعضاء من اللجنة المركزية وأثنين من المرشحين لها  و16 من الكوادر المتقدمة،  ولم يحضر الاجتماع مندوبون عن  تنظيم الحزب في كردستان  او عن  تنظيمات الخارج . وقد عرف هذا الاجتماع في أدبيات الحزب الموثقة بأجتماع ال(25 )، وفي الاجتماع تم أدانة  (خط آب ) بعد ان رفضته القواعد الحزبية وتنظيمات  الحزب في السجون. واضافة لذلك تم في الاجتماع مناقشة وتبني ( خطة العمل الحاسم ) التي أعتمدت على مداخلة الرفيق عامر عبد الله في الاجتماع، وجوهرها هي اعتماد الحزب على تنظيماته العسكرية  لعمل عسكري خاطف بعد ان يتم تهيئة ظروف ومستلزمات أنجاز هذا الهدف.  ولم يتفق  بهاء الدين نوري مع ما توصل له الاجتماع بتبني ( العمل الحاسم )، وتم كذلك في الاجتماع تشكيل تنظيم من المدنيين الذين فصلوا من الجيش لانتمائهم للحزب الشيوعي بعد انقلاب البعث الاول او اثناء فترة حكم العارفيين فيما بعد واطلق عليه في المراسلات الحزبية ( خط حسين ) لمساندة التنظيم العسكري  الحزبي في الجيش والذي كان يطلق عليه ( خط هاشم ) في الادبيات الحزبية والمراسلات التنظيمية. كانت هذه هي سياسة الحزب في تلك الفترة والتي نوقشت في الكونفرس الحزبي المنعقد في كانون الاول عام 1967 الذي طور كل المناقشات  حول تبني  ( العمل  الحاسم ) وتوصل الى ان يكون الشعار المركزي للحزب (الانتفاضة الشعبية المسلحة التي تلعب بها القوات المسلحة الدور الحاسم في اسقاط النظام ) وكانت كل سياسة الحزب تتركز على العمل لتحقيق هذا الشعار في ظل ظروف ذاتية  وموضوعية ( عربية وعالمية ) غاية في التعقيد والصعوبات.

2_ عند عودة  حزب البعث للسلطة في 17-7-68 بانقلاب القصر لم يتسرع الحزب الشيوعي بتأييد الانقلاب بل اتخذ دور المراقب الحذر و لم يصدق بوعود البعث التي صاغوها في بياناتهم للشعب  وطلبهم لمسح آثار الماضي والبدء بصفحة جديدة للتعاون بين القوى السياسية، فقد ثبتت وثائق الاجتماع الطارئ للجنة المركزية الذي عقد بعد الانقلاب بتاريخ 29-تموز-1968  مطالب الحزب السياسية والتي تم التأكيد عليها في أجتماع ل\م الكامل بتاريخ 29-10-1968  كذلك  والتي تضمنت اطلاق الحريات الديمقراطية، حل المسألة الكردية وتأميم النفط وكذلك قانون الاصلاح الزراعي، اطلاق سراح السجناء السياسيين وحل مشكلة المفصولين السياسين.. وقد وزع البيان بشكل علني ولم يتطرق البيان الى شعار أسقاط السلطة أي عمليا ونتيجة لمستجدات الاوضاع السياسة عالميا وعربيا والتطورات الداخلية تم أستبداله  بالنضال الجماهيري السلمي.   خلال هذه الفترة كانت العلاقة متذبذبة  بين الحزب الشيوعي والبعث في مد وجزر، وتعرض الحزب الشيوعي نتيجة مواقفه المدافعة عن المطالب التي تبناها الى  أضطهاد وأغتيالات  شملت  كوادر متقدمة ومع كل الظروف الصعبة في تلك الفترة لم تصدر اي وثيقة  تثبت تغير سياسة الحزب التي خطها بعد انقلاب البعث والعودة الى شعار (العمل الحاسم ) و وصولا الى الاتفاق الجبهوي بين الحزبين  والتزام الحزب الشيوعي بعدم العمل والنشاط داخل القوات المسلحة  في عام 1973.  ( في هذه السطور انا لا احلل سياسة الحزب الشيوعي بقدر ما اثبت  الحقائق  التاريخية  الموثقة ردا على وثيقة السيد حميد عبد الله!!!). ولم تكن هذه سياسة مخفية،  بل كانت معروفة لرفاق الحزب وجماهيره عن طريق نشرها في جريدة طريق الشعب السرية والادبيات الاخرى التي يصدرها الحزب وقتها .

3_ وهناك ملاحظة فنية لا تخفى على كل من عاش ظروف العمل السري من أن على مصداقية (الوثيقة) والبعيدة كل البعد عن اسلوب  كتابة التقاريرأو الرسائل الحزبية  ونوعية الورق المستعمل وحجمه الذي يؤخذ بنظر الاعتبار لتسهيل عملية نقل وتوزيع البريد الحزبي في العمل السري  وغيرها  من الملاحظات التي  تثير الانتباه بسهولة.

  وهنا بعد كل ماتم طرحه من حق كل انسان محايد ان يطرح سؤال ..  وهو هل من المعقول  أن يغفل د. حميد وهو الباحث العلمي والكاتب المتمرس  وصاحب تجربة غير قليلة  في العمل الصحفي تمتد الى ايام النظام السابق، بأن لا يبذل  جهدا حتى ولو قليل لمراجعة المصادر المتوفرة  للتأكد من مصداقية ما يطرحه وأحتراما للامانة العلمية ...؟  

ولكن نرى أنه من خلال تمسكه  وبقناعة عميقة  وغير مدعومة بحجج مقنعة من خلال رده في حلقة  اخرى على منتقديه الذين شككوا بصحة الوثيقة، ربما  أنه اراد  بذلك أن يؤيد أو يدعم  طروحات البعث عندما برر في وقتها  حملة  الاعدامات  والتنكيل والسجون التي طالت الحزب الشيوعي  عام 1978  بتعكزه  على جود تنظيم عسكري للشيوعيين في الجيش ودعم اساليبه  الاجرامية تلك بحملة  اعلامية   ونشر وثائق  ملفقة في جريدة الراصد واتبعها بكتاب ( أضواء على الحركة الشيوعية في العراق ) السيء الصيت .

 الجواب متروك للدكتور حميد  ونأمل أن  يكون جوابه مدعوم بحجج  مقنعة وموثقة وبعيدا عن جملته  الريزوخونية المفضلة ( ناقل الكفر ليس بكافر ) عندما يعجز عن الاجابة ..!!

المصادر

1-  حنا بطاطو \ العراق الكتاب الثالث \ الشيوعيون والبعثيون والضباط الاحرار

2 -عزيز سباهي \ عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي \الجزء الثالث

3- ثابت حبيب العاني \ صفحات من السيره الذاتيه

4—جاسم الحلوائي \ الحقيقه كما عشتها

5- صالح مهدي دكله \من الذاكره

6—مذكرات بهاء الدين نوري