إن الإمبريالية العالمية، وخصوصًا الأمريكية منها، ذات التاريخ الملطخ بالدماء والمشبع بالجرائم، بدأت من إبادة الشعب الأصلي الذي كان يُطلق عليه (الهنود الحمر) في أمريكا، ولم يتوقف هذا المسلسل الإجرامي الذي لم يسلم منه (الجار والخطار)، وصولاً إلى ما نشهده اليوم من دعم أوروبي غربي، وفي مقدمته أمريكا، لماكنة الموت والإبادة الجماعية لشعب أعزل في غزة، تلك التي  يقودها مجرمي الحرب نتنياهو ووزير دفاعه المجرم يوآف غالانت بكل ما أوتيا من إجرام. وأخيرًا وليس آخرًا، ما شهدناه من قتل يمثّل دور بطل أفلام الكاوبوي، ترامب. وليس الدول الغربية الاستعمارية أقل إجرامًا من أختها أمريكا الذين هم معاً يشتركون في التآمر والمجازة بحق الشعوب ، ولا مجال للخوض في التاريخ الاستعماري الدموي الذي له بداية وليس له نهاية. وبعد كل هذا التاريخ والمغامرات الدموية واستعباد الشعوب ونهب خيراتها، أفْلَسَت الإمبريالية  العالمية اقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا سوى الجانب الأعلامي الذي يمتلكونه عن طريق التكنولوجيا المتقدمة في نشر الفساد الأخلاقي وتجهيل الانسان بحرفية عالية وتغييب الحقيقة بالدجل الميكافيلي ،  مع كل ذلك باءت السياسة الاستعمارية الغربية والأمريكية في وحروبهم ومؤامراتهم في العالم بالفشل الذريع والمخزي. يضاف إلى ذلك الانقسامات العنصرية وانتشار الجريمة وتزايد البطالة وتفاقم المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي تجري في الداخل الأوروبي والأمريكي، وهو ما يُعزى إلى فشل النظام الرأسمالي في حكم العالم. هذا الفشل الناتج عن استحواذ فئة من الأفراد والشركات (الزمرة الرأسمالية) على الموارد، مما أدى إلى اتساع الفجوة والتباين الطبقي الفاضح في تغليب الربح على الأخلاق والقيم الإنسانية، وهو السبب الأساسي في المأساة التي يعاني منها المجتمع البشري بأكمله. والعامل الآخر الذي ساهم في إفلاس الإمبريالية العالمية، وخاصة أمريكا، هو صعود الصين صناعياً واقتصادياً وسحب البساط من تحتها بفضل تطورها الصناعي.  وهو الحق  المشروع لأية دولة تسعى لتطوير إمكاناتها العلمية والصناعية والاقتصادية، وليس حكراً على بلد دون آخر.

ومن العوامل التي زلزلت إرادة أمريكا في فرض هيمنتها بالقوة التي تنطلق من مفهوم أحادية القطب الذي تسعى لفرضه باعتبارها القوة العظمى بلا منازع بعد انهيار الثنائية القطبية التي كانت قائمة قبل تفكك الاتحاد السوفيتي، هو تجاهلها لبروز قوى عالمية أخرى تمتلك نفس القدرات الاقتصادية والصناعية والعسكرية العظيمة. فلم يبقَ القطب الذي شغله الاتحاد السوفيتي فارغاً لتشغله أمريكا وحدها، بل صعدت روسيا بقيادة الرئيس فلاديمير بوتين، والصين كقوة اقتصادية وعسكرية ونووية فاعلة في العالم الجديد، إضافة إلى الهند والبرازيل  والباكستان والجمهورية الإسلامية الإيرانية. وبذلك، لم يعد بوسع أمريكا أن تفرض نفسها كقطب أوحد يتحكم بالعالم.

وبمجموع الدول المذكورة سابقاً، وانضمام دول أخرى، تشكل تحالف اقتصادي ذو قدرات عسكرية مضاد لغطرسة أمريكا. وهذه الدول المنضوية تحت مظلة منظمة البريكس (BRICS) هي:

1- البرازيل

2- روسيا

3- الهند

4- الصين

5- إيران

6- جنوب إفريقيا

7- مصر

8- إثيوبيا

9- إندونيسيا

10- الإمارات العربية المتحدة

كما وان هناك كثير من الدول الأفريقية ودول أمريكا اللاتينية تحولت علاقات العديد منها  نحو الصين وروسيا. ومع كل المستجدات والتغيرات على الساحة الدولية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، إضافة إلى ما أحدثته التكنولوجيا من قفزة عظيمة ، أصبح العالم أكثر ترابطًا وتقاربًا؛ حيث صارت المسافات أقصر والاتصال أسهل، مما قرب الشعوب والثقافات وأثر على التجارة والهجرة. وكما نعلم، فإن ما كان خافيًا أو مغريًا بالدعاية البراقة والدجل والمخادعة، وشعارات الحرية الكاذبة وحقوق الإنسان، لم يعد ينطلي اليوم  حتى على شعوب الدول الاستعمارية التي خدعتها الأكاذيب والإعلام ردحاً من الزمن . فقد رأت هذه الشعوب بأعينها الجرائم الوحشية بحق الشعوب الآمنة التي تتطلع إلى غد أفضل وآمن، كما يحدث في غزة المنكوبة؛ فانتفضت الشعوب الأوروبية في بريطانيا وألمانيا وفرنسا وإسبانيا وإيطاليا وفي عموم أوروبا، وكذلك في أمريكا، بادانة حكوماتهم في دعم  حكام تل أبيب وما يرتكبونه من جرائم يندى  لها جبين الإنسانية. وتشتد  هذه الجرائم  ضراوة فيما تشهده من ازدواجية في المعايير والتناقضات التي تمارسها الدول الاستعمارية بشعاراتها البراقة المخادعة وممارساتها العدوانية تجاه الشعوب التي تتطلع لمستقبل زاهر يتحقق فيه العيش الكريم والأمن دون حروب مدمرة. لكن هذه الدول الاستعمارية، التي عاشت على استعمار الشعوب ونهب خيراتها واستعبادها لزمن طويل، تسببت في معاناة تلك البلدان الغنية بالثروات الطبيعية التي سلبها الغزاة المستعمرون، مما أدى إلى شظف العيش والحرمان والجوع والموت البطيء، والإبادة الجماعية لمن يسعى للتحرر من قبضة المجرمين والمستعمرين الغزاة. وأبشع ما تشهده الإنسانية هو الإبادة الجماعية على مرأى ومسمع من العالم في غزة والضفة في فلسطين. وإذا كانت قوى الشر العالمي  تغض النظر عن الجرائم الصهيو-أمريكية في غزة وكأنها لم تر ما يجري من سفك للدماء والابادة الجماعية .

فإن  قتل الطفلة هند رجب وأهلها والمسعفين الذين سارعوا لإنقاذها ، يُعد جريمة بشعة ارتكبها الكيان الصهيوني المجرم، والذي استهدف سيارة الإسعاف بنفس الطريقة التي استهدفت الطفلة. هذه الجريمة الوحشية،  لم يرتكبها حتى هتلر،  فهي هزت ضمائر كبار نجوم السينما العالمية، مما أدى إلى حصول فيلم يوثق وقعها المؤلم على جائزة الأوسكار، حيث أحرق قلب كل صاحب ضمير حي. و ما نشهده على الساحة الدولية اليوم، تتواصل الحروب والنزاعات المسلحة المعقدة في أوكرانيا والسودان واليمن وسوريا ولبنان ومناطق أفريقية أخرى، حيث تُرتكب جرائم ضد الإنسانية، بما في ذلك التهجير القسري والاغتصاب واستهداف المدنيين، مما ينتج عنه انهيار إنساني وانتهاك صارخ للقانون الدولي. وكل هذه الأحداث تقع تحت مظلة تحالف قوى الشر العالمي التي تدعي التحضر والتقدم والإنسانية وحقوق الإنسان.

أما بالنسبة لأمريكا  فمن  سوء حظ الإمبريالية العالمية وعاقبتها السيئة أن يحكمها رئيس متهور يفتقر إلى الفهم السياسي ولا يجيد سوى البهلوانيات الاستعراضية، مدفوعاً بنزعته الشريرة والعدوانية، ليظهر نفسه منقذاً للنظام الرأسمالي المتهالك والعاجز عن معالجة مشاكله الداخلية المتفاقمة. إذ  بدأت تصرفاته المتهورة تثير الاشمئزاز والاستنكار حتى من أولئك الذين أوصلوه إلى سدة الحكم. فنراه كل يوم يخرج  بحركات صبيانية مقززة و وبتصريحات عدوانية  يهدد به العدو والصديق، ويتجاهل كل القوانين والأعراف الدولية. وما قام به من اختطاف للرئيس الفنزويلي مادورو وزوجته ماهو  إلاّ عمل عدواني غير مسؤول يتحدى به القيم والأعراف  والقوانين  الدولية  والدول ذات السيادة. وكذلك تدخله في الشؤون الداخلية للجمهورية الإسلامية الإيرانية، وتهديدها والتحريض على الشغب والتخريب  فهو إرهاب منظم ، وإعلانه بكل وقاحة دعمه للمخربين والإرهابيين بهدف إسقاط الحكومة الإيرانية المنتخبة من الشعب ، فهو ومجرم الحرب نتن ياهو يقومان بإرسال عملاء الموساد والتعاون مع مجموعة من العملاء الذين لفظهم الشعب، والذين ارتكبوا جرائم قتل وتخريب وحرق لمؤسسات الدولة، وقتلوا مواطنين أبرياء ظناً منهم أنهم سيسقطون الحكومة بأفعالهم هذه ، لكن الشعب الإيراني أثبت للعالم أجمع أنه، على الرغم من الحصار الظالم الذي فرضته قوى الشر العالمي وعلى رأسها ترامب، لن يتنازل عن وطنه للطامعين  والعملاء ، فخرج الملايين لدعم الجمهورية الإسلامية يستنكرون  ما قام به الخونة من جرائم وحشية تخريبية مدعومة من ترامب والصهاينة  .

ان ما يقوم به هذا المتهور من افعال استعراضية قد يجر العالم إلى حرب كارثية لا يحمد عقباها  ، والبشرية بغنى عنها ولا تخدم اي طرف ولا  يخرج منها مستفيد .

وما على العقلاء من السياسيين في الداخل الأمريكي وسياسيي الدول العظمى  أن لا يتركوا السفهاء والجهلة ان يأخذوا العالم الى الهاوية ، وأن  يلجموا هذا المتهور الذي لا يعرف  ولا يفهم ما يقوم به من تخبط وتهور ، لينقذوا العالم من خطأ لا يمكن إصلاحه أبدا ..

25/1/20 26