دراسة الشخصية الأدبية والثقافية العراقية والوطنية اليوم يعتبر موضوع الضمير العراقي العابر للطوائف، هو مفهوم عميق يلامس الهوية الوطنية التي تجمع العراقيين بعيداً عن الانتماءات الفرعية. هذا الضمير يعبّر عن الروابط التاريخية، الثقافية، والاجتماعية التي صهرت المكونات المختلفة في بوتقة واحدة عبر آلاف من السنين.

يعتبر مير بصري (1911 – 2006م) الضمير العراقي العابر للطوائف، هو أحد أبرز المثقفين الموسوعيين في العراق في القرن العشرين، عُرف بكونه أديباً، وباحثاً، ومؤرخاً، وموثقاً للحياة الاقتصادية والثقافية العراقية، ومن الشخصيات اليهودية العراقية التي أسهمت بعمق في الحياة العامة قبل هجرتهم منتصف القرن الماضي.

وُلد مير بصري في بغداد لأسرة يهودية عراقية معروفة بالعلم والاهتمام بالثقافة. نشأ في بيئة دينية منفتحة، في وقت كانت فيه بغداد تعيش تحولات سياسية وثقافية كبرى بعد تأسيس الدولة العراقية الحديثة. تلقّى تعليمه في مدارس بغداد، ثم اتجه إلى دراسة الاقتصاد والإدارة، وهو المسار الذي سيقوده لاحقًاً إلى مواقع مهمة في مؤسسات الدولة. أتقن العربية والإنكليزية والعبرية، وكان واسع الاطلاع على التراث العربي والإسلاميعمل في غرفة تجارة بغداد لسنوات طويلة، وتولى منصب أمين سرهاكان له دور مهم في توثيق الحركة الاقتصادية والتجارية في العراقساهم في تأسيس وتنشيط مؤسسات ثقافية واقتصادية عراقية.

من أهم صفاته الفكرية: موسوعي النزعة، توثيقي دقيق، معتدل في رؤيته، منحاز لفكرة التعايش العراقي، غزارة إنتاجه، الإيمان بالتعددية العراقية، الجمع بين العقل الاقتصادي والحس الأدبي، الحرص على حفظ الذاكرة الوطنية. لقد كان شاهداً على مرحلة مفصلية من تاريخ العراق الحديث، وترك خلفه إرثاً يعكس صورة العراق المتعدد ثقافياً ودينياً في النصف الأول من القرن العشرين. إذ ألّف عشرات الكتب في مجالات متعددة، منهاالتاريخ الاجتماعي والثقافي لليهود في العراق، تراجم أعلام العراق، دراسات اقتصادية، مقالات أدبية وشعرية. من أبرز اهتماماتهتوثيق دور اليهود العراقيين في بناء الدولة العراقية الحديثةالدفاع عن الهوية الوطنية العراقية الجامعةتسجيل الذاكرة الاجتماعية لبغداد في النصف الأول من القرن العشرين.

يُعدّ مير بصري واحدًا من أبرز الوجوه الثقافية العراقية في القرن العشرين؛ جمع بين الاقتصاد والإدارة من جهة، والأدب والتوثيق التاريخي من جهة أخرى، فاستحق وصف “الموسوعي” لما اتسمت به أعماله من تنوّع وعمق واتساع.

يرتكز هذا المفهوم على فكرة أن المواطنة هي المظلّة الأكبر التي تحمي الجميع، وأن المشتركات الإنسانية والوطنية أقوى من محاولات التفرقةلاستكشاف هذا المفهوم بشكل أعمق، يمكننا البدء من زوايا مختلفة. أي من هذه المحاور نود أن نبدأ بها لتناول دراسة شخصية مثل مير بصري، هو أحد الأعلام البارزين في تاريخ العراق المعاصر. وقد يقدم مادة ممتازة لفهم التداخل بين الهوية الوطنية والثقافية والدينية في تلك الحقبة الحرجة .

مير بصري لم يكن مجرد موظف إداري، بل كان مثقفاً موسوعياً جمع بين الاقتصاد من خلال ممارسته للتجارة وتأليفه (مباحث في الاقتصاد العراقي) وفي مجال الأدب والتاريخ، فإنتاجه الغزير الذي رفد المكتبة العربية دليل على ذلكفضلاً عن تمسكه بالهوية الوطنية، من خلال إصراره على معاداة الصهيونية واعتبار نفسه عراقي الموطن، عربي الثقافة.

أن حياته الوظيفية انقسمت إلى مرحلتين؛ المرحلة الأولى (1928- 1941م) والثانية (1941- 1974م). شغل بصري مناصب إدارية واقتصادية بارزة، وكان له حضور في القطاع المصرفي والمالي، وأسهم في تنظيم العمل الإداري الحديث في العراق خلال عقود مبكرة من عمر الدولة. وقد انعكس هذا التخصص المهني على كتاباته التي اتسمت بالدقّة التوثيقية والمنهجية الواضحةإلى جانب عمله الإداري، كان أديباً ومؤرخاً نشيطاً، كتب فالتاريخ العراقي الحديث، تراجم الشخصيات، الاقتصاد، الشأن الثقافي العام.

من أبرز ما عُرف به اهتمامه بتوثيق أعلام العراق من مختلف المكونات، فكتب عن أدباء وشعراء ورجال دولة، محافظاً على لغة رصينة تميل إلى السلاسة والوضوح بعيداً عن التعقيدكما كان له نشاط شعري في بداياته، إلا أن شهرته الأوسع جاءت من كتبه التوثيقية والدراسات التاريخية التي أصبحت مراجع مهمة للباحثين.

كان مير بصري يمثل نموذج المثقف العراقي المنتمي لوطنه قبل أي اعتبار آخر، رغم انتمائه الديني المختلف. وبعد تصاعد الظروف السياسية التي دفعت كثيراً من يهود العراق إلى الهجرة، غادر البلاد في سبعينيات القرن الماضي ليستقر في لندن، حيث واصل الكتابة والتأليف حتى وفاته عام 2006.

يمثل مير بصري نموذجاً للمثقف الموسوعي الذي لم يحصر نفسه في تخصص واحد، بل تنقل بين الإدارة والأدب والتاريخ، محافظاً على رؤية عراقية جامعة. إن قراءة أعماله اليوم ليست مجرد عودة إلى نصوص قديمة، بل هي استعادة لذاكرة عراق غني بتنوعه وإبداعه.

تكمن أهمية مير بصري في كونهشاهداً على مرحلة مفصلية من تاريخ العراق الحديثجسراً ثقافياً بين يهود العراق وبقية مكونات المجتمعمرجعاً أساسياً للباحثين في تاريخ الأقليات العراقية. بعد تصاعد الأحداث السياسية في العراق هاجر إلى إسرائيل عام 1975 تقريباً، لكنه بقي يكتب بالعربية ويعبّر عن حنينه العميق للعراق، وظل يعتبر نفسه عراقياً بالهوية الثقافية.

رحل في العاصمة البريطانية لندن يوم 4 يونيو 2006 عن عمر ناهز 94 عاماً، بعدما شغل بصري مناصب رفيعة في العراق، منها رئيس الطائفة اليهودية، وكان يعد من أبرز الأدباء والاقتصاديين في العهد الملكي.