إقصاء الآخر من الظواهر الشائعة في تاريخ المجتمعات، ولا سيما تلك التي تعاني من ضعف في نظامها السياسي أو من تفكك اجتماعي واضح. والمقصود بإقصاء الآخر هو تهميش أو إبعاد فرد أو جماعة بسبب اختلافهم في الدين أو المذهب أو القومية أو الطبقة الاجتماعية أو الأفكار السياسية، بحيث تبقى السلطة والنفوذ بيد جماعة مهيمنة، قد تكون فئة طبقية أو طائفة دينية أو حزبا سياسيا أو تحالفا نخبويا، تحتكر السلطة والثروة وترى نفسها الأحق بالحكم والتمثيل.
ولا يقتصر الإقصاء على القمع المباشر أو المنع الصريح، بل قد يكون خفيا وغير معلن. فقد يتمثل في حرمان المختلف من الاعتراف به، أو في التشكيك في وطنيته، أو في التقليل من قيمته ورمزيته، فيصبح وجوده ضعيفا أو مشروطا أو شبه غير مرئي. ومع الوقت يتحول الإقصاء إلى أداة للسيطرة، تفرض من خلالها رؤية واحدة للحياة والسياسة، وينظر إلى التنوع على أنه خطر ينبغي احتواؤه أو التخلص منه.
وقد بيّن الفكر الاجتماعي والسياسي الحديث أن السيطرة لا تمارس بالقوة المادية وحدها، بل أيضا عبر وسائل رمزية غير مباشرة. فاللغة والتعليم والثقافة ووسائل الإعلام يمكن أن تتحول إلى أدوات لترسيخ الهيمنة، بحيث يبدو الإقصاء أمرا طبيعيا أو مبررا في نظر كثيرين ، بل حتى في نظر من يتعرضون له. كما أن السلطة لا تكتفي بإدارة الشأن العام ، بل تحدد من خلال خطابها ما هو مقبول وما هو مرفوض، ومن هو المنتمي ومن هو الخارج عن الجماعة. وبذلك يعاد تعريف المختلف بوصفه شاذا عن (الطبيعي) أو تهديدا للانسجام الاجتماعي. وفي المقابل، يؤكد هذا الفكر أن الاعتراف المتبادل بين الأفراد ليس مسألة أخلاقية فحسب، بل شرط أساسي لتحقيق العدالة والاستقرار، إذ إن إنكار الاعتراف يولّد الإهانة والاغتراب ويضعف الروابط التي يقوم عليها تماسك المجتمع.
ويتخذ الإقصاء أشكال متعددة. ففي المجال السياسي، يظهر عندما تحتكر فئة معينة السلطة وتمنع غيرها من المشاركة الحقيقية، أو حين تُفرغ الديمقراطية من مضمونها وتتحول إلى انتخابات شكلية لا تغير من موازين القوة. وقد تستخدم القوانين لتقييد الحريات أو لإضعاف المعارضة. وفي المجال الاجتماعي، يتجلى الإقصاء في تهميش الفقراء والمحرومين وحرمانهم من التعليم الجيد أو الرعاية الصحية أو فرص العمل، مما يكرس الفوارق الطبقية ويجعلها تبدو وكأنها قدر طبيعي. أما في المجال الثقافي، فيظهر في تخوين المختلف أو تكفيره أو تشويه صورته، بحيث يبرر استبعاده أخلاقيا ورمزيا. كما يتخذ الإقصاء بعدا جندريا حين يحد من دور المرأة في الحياة العامة، سواء بالقوانين أو بالأعراف أو بخطابات تحصرها في أدوار ضيقة.
وتترك هذه الأشكال من الإقصاء آثارا عميقة على المجتمع. فعندما يمنع جزء من الناس من المشاركة الكاملة، تتعمق الانقسامات الدينية أو الطائفية أو القومية أو الطبقية أو السياسية. ويتحول التنوع، الذي يمكن أن يكون مصدر قوة وغنى، إلى سبب دائم للتوتر والصراع. كما أن الشعور المستمر بالظلم يدفع بعض الفئات إلى البحث عن وسائل احتجاج ، قد تصل أحيانا إلى العنف. ومن ناحية أخرى، يعرقل الإقصاء أي تحول ديمقراطي حقيقي، لأن الديمقراطية ليست مجرد انتخابات، بل هي ثقافة اعتراف متبادل وحوار وقبول بالاختلاف. وعندما يصور المختلف على أنه عدو أو خطر، يبرر الاستبداد باسم حماية الهوية أو الأمن، فتدخل المجتمعات في دائرة مغلقة من الإقصاء والعنف.
ويعد العراق مثالا واضحا على تحولات هذه الظاهرة في مراحله الحديثة. ففي العهد الملكي، كانت المشاركة السياسية محدودة، وتعرضت قوى سياسية واجتماعية إلى التضييق والملاحقة، مما أعاق نشوء تقاليد ديمقراطية راسخة. وبعد قيام الجمهوريات، استمر الإقصاء لكن بأشكال مختلفة، حيث جرى تهميش قوى أو فئات على أساس الانتماء الأيديولوجي أو القومي أو الديني. وفي زمن حكم البعث، بلغ الإقصاء ذروته، إذ تحول إلى نهج أيديولوجي مركزي يفرض رؤية واحدة شاملة، ويقصي كل من لا ينسجم معها عبر القمع الشديد والتصفيات والسجون، فتحولت الدولة إلى أداة لفرض تصور أحادي للحقيقة والهوية.
غير أن سقوط النظام الشمولي بعد عام 2003 لم ينهي منطق الإقصاء، بل غيّر شكله. فإذا كان الإقصاء في بعض المراحل أيديولوجيا مركزيا، يقوم على احتكار خطاب واحد من الأعلى، فانه في مرحلة ما بعد 2003 أخذ طابعا هوياتيا ، حيث برزت الانقسامات الطائفية والقومية كإطار لتقاسم السلطة والنفوذ. وبدلا من رؤية فكرية واحدة مهيمنة، ظهرت هويات متنافسة تتنازع الدولة من الداخل، وأصبح الانتماء الفرعي معيار غير معلن للتمثيل والتأثير. وهكذا لم تختفي آلية الإقصاء، بل أعادت إنتاج نفسها بصيغة مختلفة، قامت بتجزئة المجتمع بدلا عن توحيده.
إن معالجة ظاهرة إقصاء الآخر لا تتحقق بمجرد الدعوة إلى التسامح، بل تتطلب إعادة بناء العلاقة بين الفرد والدولة على أساس المواطنة المتساوية، بحيث تكون الحقوق والواجبات قائمة على الانتماء الوطني لا على الدين أو الطائفة أو القومية. كما يتطلب الأمر تعزيز ثقافة الاعتراف المتبادل بين مكونات المجتمع، وترسيخ قيم الحوار وقبول التعددية في التعليم والإعلام والحياة العامة. وإلى جانب ذلك، فإن تحقيق قدر من العدالة الاجتماعية يظل شرطا ضروريا، لأن الفقر والتهميش الاقتصادي يغذيان مشاعر الغضب ويجعلان خطاب الإقصاء أكثر قابلية للانتشار.
وبوجه عام، فإن إقصاء الآخر ليس سلوكا فرديا عابرا، بل هو نمط عميق يتكرر كلما ضعفت قيم المواطنة والعدالة والاعتراف المتبادل. ومواجهته تتطلب إرادة سياسية حقيقية وثقافة مجتمعية تؤمن بأن التنوع ليس خطرا ينبغي التخلص منه، بل واقع إنساني يمكن تنظيمه ضمن إطار ديمقراطي عادل، يضمن لكل فرد مكانا معترفا به في المجتمع.