الدكتور عقيل الناصري هو باحث وكاتب عراقي اهتم بدراسة التاريخ السياسي المعاصر للعراق، وخصوصاً مرحلة ثورة 14 تموز 1958 وشخصية عبد الكريم قاسم. اشتهر بكتاباته التحليلية التي تمزج بين المنهج التاريخي والرؤية الفلسفية، وكان يميل إلى قراءة الأحداث ضمن سياقها الاجتماعي والطبقي، مع التأكيد على صعوبة الحياد الكامل في كتابة التاريخ.
في زمن يسهل فيه تزييف الحقائق، كان الناصري يمثل الرصانة والتمسك بالوثيقة، مما جعل لمؤلفاته ثقلاً يفرض احترامه حتى على من يختلف معه. عشق الوطن من الغربة وقضى عقوداً بعيداً عن تراب العراق، لكن قلبه وقلمه لم يغادرا أزقته وتاريخه يوماً واحداً. هذا الوفاء القسري يزيد من هيبة أثره. رحيل جسد وبقى أثر؛ فالمكتبة العربية والعراقية اليوم تحتفظ بكنز من الدراسات (مثل "الزعيم"، "الجيش والسلطة"، وغيرها) التي ستظل مرجعاً للأجيال القادمة.
الوجع الحقيقي ليس في الموت، فهو حق، بل في انطفاء تلك الشعلة التي كانت تضيء زوايا معتمة من تاريخنا. برحيله، فقدنا صوتاً كان يحلل الأحداث برؤية سوسيولوجية وسياسية عميقة، بعيداً عن السطحية. المفكرون لا يموتون، بل يتحولون إلى صفحات في كتبنا، وأفكار تسكن عقولنا. عقيل الناصري غادرنا بجسده، لكنه ترك خلفه خارطة طريق لكل من يريد فهم صراعات السلطة وبناء الدولة في العراق.
وكانت من أبرز أعماله:
- دراسات عن ثورة 14 تموز وتداعياتها.
- كتاب عبد الكريم قاسم في يومه الأخير.
- أبحاث حول دور الفرد في التاريخ والتحولات الاجتماعية في العراق.
تميّز أسلوبه بالعمق والتحليل النقدي، وغالباً ما قدّم رؤى منحازة لما اعتبره مشروعاً وطنياً واجتماعياً، مع محاولة تفسير الصراعات السياسية في العراق ضمن إطار أوسع. ومن آرائه حول أسباب إحباط مسار الثورة (خصوصاً ما انتهى إلى انقلاب 1963)، فتركزت على عدة محاور فكرية وسياسية:
يرى أن القوى السياسية، بما فيها قيادة الثورة، لم تدرك عمق وتعقيد الصراع الاجتماعي والسياسي، ولا طبيعة التحالفات بين القوى الداخلية والخارجية. بدلاً من توحيد الجبهة الداخلية، دخلت القوى (القومية، الشيوعية، وغيرها) في صراع حاد أضعف الثورة من الداخل.
أما إشكالية القيادة عند الزعيم عبد الكريم قاسم، اعتبر الناصري أن قاسم: مال إلى الفردية في الحكم. اعتمد على مؤسسات قديمة. لم يُنجز بناء نظام سياسي مؤسسي (برلمان، حياة حزبية مستقرة). بطء التحول الديمقراطي. تأخر الانتقال إلى نظام دستوري واضح، مما خلق فراغاً سياسياً استغلته القوى المناهض. يؤ الناصري على وجود دور للقوى الدولية والإقليمية في تقويض الثورة، عبر دعم الإنقلابيين.
أشار إلى تأثير الثقافة السياسية التقليدية (الزعامة الفردية، ضعف المؤسسات) في إضعاف التجربة. باختصار، كان يرى أن فشل الثورة لم يكن بسبب عامل واحد، بل نتيجة تفاعل معقد بين أخطاء داخلية وصراعات سياسية وتدخلات خارجية.