لكل إنسان الحق في أن يروي تجربته كما عاشها، وأن يدافع عمّن يراه جديراً بالدفاع. غير أن التجربة الشخصية، مهما كانت صادقة، في أيام التحالف الجبهوي مع حزب السلطة، لا تكفي لتبرئة النظام ومنظومة أمن بلدة الديوانية، وما قامت به من انتهاكات كاملة، ولا تمنح صاحبها سلطة نفي معاناتي في شهر تشرين الأول 1978, وما عاناه الآخرون.

قد يكون بعضهم قد نال معاملة مختلفة، أو مرّ بتجربة أقل قسوة، لكن ذلك لا يعني أن الصورة كانت واحدة للجميع. فالتاريخ لا يُكتب من زاوية واحدة، ولا تُختزل الحقيقة في شهادة فرد، مهما كانت مكانته.

هناك في بناية محافظة المدينة، كان يُأخذ منها أماكن للحجز والتوقيف والتعذيب، على يد جلاوزة الامن وبأشراف مباشر من قبل معاون الامن... النقيب محمد عباس.

كان أول المعتقلين المشرف على تنظيمنا الطلابي أحلام عبد الكريم، وبعد إطلاق سراحه بدأت الحملة المتكالبة علينا...حتى تحقيق غايتهم الاعتراف والتوقيع على المادة 200... كان حجزنا في أماكن لم تكن تُرى في العلن، وغرف لم تكن أبوابها تُفتح إلا على الألم. خلف الجدران السميكة كانت تُختبر قدرة الإنسان على الاحتمال، وتُمارس أساليب قاسية تركت آثارها في الأجساد والذاكرة معاً. كان هناك من وسائل الضغط النفسي والجسدي، وتهديدات تمسّ الكرامة والروابط العائلية، وساعات طويلة من الانتظار في ظروف معيشية قاسية، يصبح فيها الطعام شحيحاً، والضوء امتيازاً، والنوم قلقاً دائماً.

مصطلحات بعينها كانت تكفي لإثارة الرعب: أساليب تحقيق قاسية، الدرج الملطخ جدرانه بالدماء يستخدم للحجز، واستخدام زنازين أخرى ضيقة معزولة، أو أماكن احتجاز صُممت لكسر الإرادة قبل الجسد. لم تكن تلك القصص شائعات عابرة، بل شهادات تراكمت عبر السنوات، وتقاطعت في تفاصيلها رغم اختلاف أصحابها.

ما اذكره: ليس من السرديات العاطفية، بل وقائع موثقة في ذاكرة عائلات ومؤسسات وتقارير. وهي شواهد لا يمكن تجاهلها أو القفز فوقها بدافع تجربة مغايرة.

لا يُطلب من أحد أن يتخلى عن قناعته، فالقناعات شأن شخصي، لكن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن للحقيقة وجوهاً متعددة، وأن ضفة الأمان التي وقف عليها البعض لا تنفي وجود ضفاف أخرى غمرها الألم.

إن احترام الضحايا لا يعني تبنّي خطاب الكراهية، بل يعني الامتناع عن تبييض صفحات دامية، أو التقليل من معاناة من دفعوا أثماناً باهظة. فالتاريخ لا يُمحى بالإنكار، ولا يُعاد تشكيله بالتجميل الانتقائي.

يمكن لأي شخص أن يروي قصته، وهذا حق مشروع، لكن ليس من العدل أن تُلغى قصص الآخرين. فالذاكرة الجمعية أقوى من محاولات الطمس، والحقيقة، وإن تأخر الاعتراف بها، تبقى حاضرة في وجدان الشعوب، تنتظر من ينصفها.