في أحضان بلاد الرافدين، حيث انبثق أول نورٍ للحضارة الإنسانية، نشأت ديانةٌ متفردة حملت في صميمها طهارة الماء ورمز الحياة ذاته. هم الصابئة المندائيون، قومٌ عاشوا على ضفاف نهري دجلة والفرات منذ آلاف السنين، احتفوا بالماء كعنصرٍ مقدّس، ومارسوا طقوسهم في جريانه الرقراق، إذ لا تنفصل عقيدتهم عن التعميد الذي يجسد طهارة الروح والنقاء الأبدي.

كانت ديانتهم قائمة على التوحيد والإيمان بكتابهم المقدّس (الكنزا ربا)، ولغتهم المندائية السريانية جزءاً لا يتجزأ من تاريخ العراق، وتعدّدت مظاهرها في المدن الجنوبية؛ مثل البصرة والناصرية وميسان والعمارة. لكن مع دخول العراق في دوامة الصراعات الحديثة بعد عام 2003م، أخذت أعداد المندائيين تتراجع بشكل مخيف، حيث اضطر أكثر من نصفهم للهجرة بحثاً عن الأمان والاستقرار في المهجر، وتضاءل عددهم في الوطن إلى أعدادٍ تقلّ عن عشرة آلاف فرد.

تكمن مأساة الصابئة المندائيين في كون وجودهم الديني مرتبطاً ارتباطاً عضوياً بالماء الجاري. فالتعميد ليس طقساً رمزياً فحسب، بل فعل حياة، يصعب تأديته حين تنحسر مياه الأنهار وتلوث مصادرها. وفي السنوات الأخيرة، يواجه نهرا دجلة والفرات تهديداتٍ حقيقية: التلوّث البيئي، تراجع التدفق نتيجة السدود والانحسار المناخي، مما يُعرّض الطقوس الدينية لخطر الانقطاع، ويضع مستقبل الجماعة الثقافي والروحي على حافة الهاوية.

في زيارتي الأخير للشيخ ستار جبار حلو والقائمين على ادارة شؤونهم الادارية في المندى في بغداد، كان حديثنا معه ومع القائمين، تطرق إلى؛ التحديات التي تواجههم اليوم، ليست بيئية فحسب، بل اجتماعية وسياسية أيضاً. فالمندائيون، رغم كونهم من أقدم الشعوب الساكنة في العراق، يعانون من التمييز الاجتماعي وانعدام انصافهم السياسي، ومعاناة التهميش في التعليم والعمل.

كان صوت الماضي يهمس في ذاكرة المندائيين، يحمل ذكرى حضارة عظيمة وروحاً متشبّثة بالجذور العميقة في تربة العراق الشقيق. لكن صوت الحاضر يصرخ أيضاً: كيف تستمر طائفةٌ تربط وجودها بالماء المقدّس حين تجفّ منابع الحياة؟ هذا هو السؤال الذي يواجهه الصابئة المندائيون اليوم، في زمنٍ تفتر فيه مياه الأنهار، ويزداد فيه انحدار شعوبٍ بأكملها نحو التهجير والبحث عن بقايا حياة في المنافي.

ومع ذلك، تظل روحهم باقية في كل طقسٍ ماءٍ ينساب على مياه النهر، في كل ترنيمةٍ تُتلى بلغةٍ عريقة تُذكر بأصولٍ امتدت عبر القرون. في هذه الأرض التي شهدت ميلاد الحضارة، يقف الصابئة المندائيون كأنّهم مرآة التاريخ، ينعكس فيها الماضي والحاضر، ويحملون عبر تقاليدهم رسالةً صامتة عن الصمود، عن ارتباط الإنسان بالعنصر الذي خلقه، وعن إرادة حياةٍ تتشبّث ببقاءٍ قد يبدو مستحيلاً.

اللغة… والثقافة… والهوية التي تقاوم النسيان

إذا كان الماء هو قلب العقيدة المندائية، فإن اللغة هي روحها. فاللغة المندائية ليست مجرد وسيلة تواصل، بل وعاءٌ مقدّس يحمل نصوصهم الدينية وترانيمهم وذاكرتهم الجماعية. إنها لهجة من الآرامية الشرقية، ما زالت حيّة في طقوسهم، مكتوبة بأبجدية خاصة متوارثة منذ قرون، تتجلّى في كتابهم المقدس (الكنزا ربا).

تُتلى الصلوات بلغةٍ قديمة رصينة، تتردّد حروفها فوق ضفاف دجلة والفرات كما لو أنها صدى زمنٍ سحيق. غير أن هذه اللغة اليوم تواجه خطر الانحسار؛ فالهجرة الواسعة، واندماج الأجيال الجديدة في مجتمعات المهجر، جعلا استخدامها اليومي يتقلّص لصالح العربية أو لغات البلدان الجديدة. ومع ذلك، ما زال رجال الدين والمثقفون من أبناء الطائفة يبذلون جهوداً حثيثة لتعليمها، حفاظاً على هويةٍ لا يمكن فصلها عن لسانها.

أما على المستوى الثقافي والاجتماعي، فقد عُرف الصابئة المندائيون تاريخياً بحرفيةٍ عالية، لا سيّما في صياغة الذهب والفضة. كانت أيديهم الماهرة تنسج الجمال من المعدن، حتى ارتبط اسمهم في الذاكرة الشعبية العراقية بالأمانة والإتقان. ولم يكن هذا التفوق المهني مجرد صدفة، بل انعكاساً لقيمٍ اجتماعية راسخة تقوم على الصدق والنزاهة والعمل الصامت بعيداً عن الصخب.

يتميّز المجتمع المندائي بطابعٍ محافظ، تحكمه بنية أسرية متماسكة، حيث للزواج طقوسه الخاصة التي تُقام قرب الماء الجاري، وللميلاد والوفاة شعائر دقيقة تعكس نظرتهم الثنائية إلى الكون: عالم النور وعالم الظلمة. وهم، رغم قلتهم العددية، حافظوا على انسجام داخلي قائم على التضامن والتكافل، إذ تُعدّ الجماعة لديهم سنداً وجودياً في مواجهة تقلّبات التاريخ.

اليوم، يعيش كثير منهم في الشتات، بين أستراليا وأوروبا وأمريكا، يحملون معهم ماءً رمزياً من دجلة والفرات في الذاكرة والحنين. ومع ذلك، لم تنقطع صلتهم بوطنهم الأم. فما زال اسم بغداد يتردّد في صلواتهم، وما زالت صور الأنهار والبيوت الطينية والقصب الجنوبي تسكن حكاياتهم لأبنائهم في المنافي. لقد تحوّل الحنين عندهم إلى عنصر ثقافي، وإلى مقاومةٍ هادئة ضد الذوبان الكامل في عوالم جديدة.

إن واقع الصابئة المندائيين في العراق الحديث ليس مجرد قصة أقليةٍ دينية تواجه الانكماش العددي، بل هو مرآة لتحوّلات المجتمع العراقي نفسه. فكلما ضاق الفضاء بالتنوع، خسر الوطن جزءاً من ثرائه الرمزي. وكلما هاجرت لغةٌ قديمة أو انطفأت طقوسٌ مائية على ضفاف النهر، تضاءلت فسيفساء العراق التي كانت يوماً ما مثالاً للتعدد والتعايش.

ومع ذلك، تبقى الحقيقة الأكثر إشراقاً أن هذه الجماعة الصغيرة ما زالت متمسكة بجذورها. تحافظ على لغتها في الكتب، وعلى طقوسها في الماء، وعلى قيمها في السلوك اليومي. كأنها تقول إن الهوية ليست عدداً، بل معنى. وإن البقاء ليس في الصخب، بل في الإصرار الصامت على أن يستمر النور، ولو في شمعةٍ واحدةٍ على ضفة النهر.