بالنظر إلى ترابط الأحداث العالمية وتتابعها اليومي، وما يكتنفها من تهديدات وتوترات في السياسة الدولية التي تفتعلها بكل تأكيد قوى الشر الإمبريالية العالمية وعلى رأسها أمريكا، التي يرأسها رجلٌ لا تاريخ سياسي له ولا يفقه من علم السياسة شيئًا في هذا المجال؛ إذ أفضى الزمن المتردّي وسوء عاقبة الإمبريالية الأمريكية إلى ظهور هذا الرجل المتهور من بين صالونات القمار ومواخير الدعارة التي يرتادها بالإضافة الى ارتباطه المكتشف مؤخراً بفضيحة إبستين ، وسلوكه السوقي المنفلت .
فهو نشأ بعيداً عن الساحة السياسية ولا يملك أدنى معرفة بها. لقد تسبّب هذا المتهور الآن في إرباك أمريكا والسياسة الدولية، وأثار فزع العالم بتهوره وجنونه الذي يصعب التنبؤ بنتائجه على العالم والبشرية جمعاء .، فهو دخل عالم السياسة من بابها الخلفي وتقدم ليدير السياسة العالمية ويتحكم بها من منطلق عقلية حلبات المصارعة الاستعراضية التي يميل إليها، وهي عقلية مترسخة في جمجمته الفارغة من القيم الأخلاقية والإنسانية والأعراف المتبعة؛ وقد اعترف وصرح بذلك بكل وقاحة ومن دون حياء او خجل ، مبيناً أنه انسُلخ عن كل ذلك في حديث مطول له ، وهذا ما يُلخص محتواه.
أدلى ترامب، بصفته رئيساً للولايات المتحدة، بالعديد من التصريحات اللافتة، ومنها قوله: «أيها السادة: اليوم قررت أن أخبركم بكل ما يجري وإلى أين يتجه العالم في ظل كل المتغيرات التي حصلت طيلة 400 عام. تذكرون عام 1717 الذي كان ميلاد العالم الجديد، وتذكرون أن أول دولار طُبع عام 1778، ولكي يهيمن هذا الدولار، احتاج العالم إلى ثورة، فكانت الثورة الفرنسية عام 1789. تلك الثورة التي غيرت كل شيء وقلبته، ومع انتصارها انتهى العالم الذي كان محكوماً طيلة 5000 سنة بالأديان والميثولوجيات، وبدأ نظام عالمي جديد يحكمه المال والإعلام... عالم لا مكان فيه لله ولا للقيم الإنسانية».
"لا تستغربوا أننا عينة من هذا النظام العالمي الجديد، هذا النظام يعرف طبيعة عملي الخالي من القيم الإنسانية والاخلاقية، فأنا لا يهمني ان يموت المصارع، مايهمني هو أن يكسب المصارع الذي راهنت عليه، ومع ذلك أوصلني النظام العالمي الى الرئاسة، أنا الذي أدير مؤسسات للقمار، وأنا اليوم رئيس أقوى دولة، اذاً لم تعد المقاييس الأخلاقية هي التي تحكم، الذي يحكم اليوم العالم والكيانات البشرية هي المصالح .. ".
وهو لا يبالي بنتائج ممارساته المتهورة والهمجية؛ فحتى داعموه في الانتخابات، بل وغالبية الشعب الأمريكي، يرفضون تصرفاته وينفرون منها. وكذلك المحور الأوروبي أصبح منزعجًا من حماقته، ليس من منطلق المبادئ الأخلاقية، بل لأنه بدأ يتجاوزهم ولا يحترمهم بسلوكياته المتهورة التي يهدف من خلالها إلى استعراض نفسه مدعيًا أنه المنقذ الوحيد لأمريكا بشعاره "أمريكا أولاً". ويُضاف إلى ذلك تصريحه خلال العملية الانتخابية الذي وعد فيه الشعب الأمريكي بـ "إعادة أمريكا قوية".
ولكنه في حقيقة الأمر يكذب على الشعب الأمريكي ، فهو ليس كما يقول ( امريكا اولاً ) ، انما ( إسرائيل أولاً ) ، وهذا ما تبين للشعب الأمريكي انه يكذب عليهم بكل وقاحة ، وهو يأخذ منهم الضرائب ، وبدل ان يسخرها لخدمة المواطنين ، فهو يقدمها للحكام الصهاينة المجرمين في قتل الشعب الفلسطيني وارتكابه أبشع الجرائم بحقهم ..
وأخيراً وليس آخراً ما قام به ترامب وقرينه النتنياهو في ضربه إيران غيلة ً في الوقت الذي تجري فيه المفاوضات الأمريكية الإيرانية غير المباشرة لتسوية النزاع الطويل الأمد بشأن البرنامج النووي الإيراني السلمي، بُغية حل نقاط الخلاف وتجنب مخاطر اندلاع الحرب واشتعال نيرانها التي تحرق الأخضر واليابس .
لكن المجرمان ترامب والنتنياهو قاما بجريمة نكراء غادرة بضرب إيران واغتيال مرشد الثورة الايرانية ومجموعة من القادة ، وارتكاب جريمة وحشية بقصف مدرسة راح ضحيتها 180 طفلة شهيدة و 95 جريحاً . وهو قال في احدى تصريحاته سابقاً ، و بكل غطرسة وعنجهية ، و بملء فمه ومن دون مواربة: "أما صراعنا مع إيران فليس لأن إيران هي التي اعتدت علينا، بل نحن الذين نحاول أن ندمرها ونقلب نظامها، وهذا الأمر فعلناه مع الكثير من الدول والأنظمة، فلكي تبقى الأقوى في العالم، عليك أن تضعف
الجميع ".
في مقالات سابقة، تناولتُ وحشية ترامب وتصرفاته المتهورة التي اشتهرت لدى الجميع، والتي تنبع من طبيعته العدوانية التي لم يسلم منها عدو ولا صديق. فقد تجاوز ترامب كل الحدود بأفعاله العدوانية، وتهديداته للآخرين، وتدخله في شؤون الدول ذات السيادة والاعتداء عليها. وشمل ذلك فعله المشين المتمثل في محاولة اختطاف الرئيس الفنزويلي مادورو، وتدخله في الشأن الداخلي العراقي، واعتدائه على إيران وتدخله العلني في شؤونها، بالإضافة إلى تصريحاته المثيرة للجدل بشأن غرينلاند وكندا وغيرهما.
لكن ما يثير الأسف هو ما نراه ونسمعه من مجموعات من أشباه المثقفين وسياسيي الصدفة الذين يهرولون وراء هذا العدو كالانعام، بل هم أضل سبيلاً؛ يقلدون حركاته، وبعضهم يكرر ما يقوله كالببغاوات. فعلى سبيل المثال لا الحصر، نجد هذه المجموعات الضالة من أشباه المثقفين وسياسيي الصدفة تقف خلف ترامب وتُردد نفس نبرته اعتراضاً على ترشيحه المالكي لرئاسة الحكومة العراقية. (أنا لا أدافع هنا عن المالكي أو أقف ضده)، ولكن ما يهمني هو سيادة العراق. فمن لديهم خلافات مع المالكي، يجب عليهم أولاً أن يحترموا أنفسهم ثم يحترموا بلدهم العراق، إذا كانوا عراقيين حقاً.
بين ادعاءات ترامب وكذبه واستعراضاته اليومية المتناقضة، وبين كل كذبة وأخرى، تتوالى الأكاذيب التي لا تتشابه، وكأنه يفرغ ما في جعبته من أقاويل...! فمرة يدّعي رغبته في إنهاء الحروب بالعالم، مصورًا نفسه رجل سلام يسعى لنيل جائزة نوبل. و بسبب جنونه وعظمة الأنا التي يعاني منها، يرى نفسه الأجدر بنيل الجائزة. هذا من جانبه الادعائي والتهريجي الشعبوي الفارغ، أما حقيقته فتتجلى في سلوكه العدواني والشرير الذي يعكس وحشية جوهره. وفي غمرة غروره وحماقته، ينسى أو يتناسى أنه بلغ أرذل العمر، ويتصور نفسه شابًا. ومثال على ذلك، وبطريقة طريفة، فبعد تآمره على سيادة فنزويلا واختطافه للرئيس الشرعي مادورو، عبر عن نشوته وافتخاره بهذا العمل المخزي وغير الأخلاقي وغير القانوني أثناء حديثه أمام الشاشات. وعندما سُئل عن كوبا، وصف رئيسها (ميغيل دياز-كانيل) بأنه مُسنٌّ وبلا أهمية، ناسياً أن الرئيس الكوبي وُلد في 20 أبريل 1960، بينما ترامب من مواليد 14 يونيو 1946، مما يعني أن الفارق بينهما عشرون عامًا، أي أن الرئيس الكوبي يقارب ابن ترامب سنًا. أما آخر تصريحاته وثَرْثَرَتِه فكانت أثناء إلقائه خطاب حالة الاتحاد، حيث سجّل ترامب رقمًا قياسيًا لأطول خطاب في تاريخ حالة الاتحاد، متجاوزًا مدته ساعة و50 دقيقة، متفوقًا على الرقم الذي سجله بيل كلينتون في خطابه عام 2000. كان الخطاب مليئًا بالخزعبلات والادعاءات التي تفتقر إلى الترابط المنطقي، حيث اتهم ترامب الإدارة الحاكمة السابقة، مدعيًا أنها تركت وضعًا اقتصاديًا وصفه بـ "السيئ للغاية".
وذكر أمام الجلسة المشتركة للكونغرس أن إدارته ورثت وضعًا اقتصاديًا وأمنيًا سيئًا للغاية من الإدارة السابقة، مؤكدًا أنه حقق (شيئًا ما) بعد عام واحد فقط من ادعائه.
بسبب غروره وإعجابه بنفسه وادعاءاته الكاذبة، فإنه يجهل أو يتجاهل أن الإمبريالية العالمية تلفظ أنفاسها الأخيرة، وأن نهايتها ستكون في مزبلة التاريخ كالطواغيت والحكومات الظالمة التي لم يبق منها سوى اسمها وذكرها السيئ.
لقد انتهى مفعول إمبريالية العصر وأصبحت منتهية الصلاحية (Expired). وكما هو معروف، فإن كل شيء منتهي المفعول لا يجوز استعماله لأنه ضار، ويجب التخلص منه ورميه في حاوية القمامة.
والأمر المثير للسخرية في خطابه (المليء بالمبالغات والخزعبلات) هو أنه تحدث عن المهاجرين الصوماليين (الذين لا يتجاوز عددهم في أمريكا اكثر من 80 ألف نسمة)، وأطلق عليهم عبارات سيئة لا تليق برئيس دولة أن يتفوه بها تجاه مكونات شعبه، واتهمهم بالتأثير السلبي على الاقتصاد الأمريكي..
ويغافل ان النظام الرأسمالي والإمبريالية الأمريكية، التي كانت ذات يوم عملاقة، قد هرمت وانتهى مفعولها اليوم. ويمكن تشبيه ذلك بالأسد عندما يشيخ ويهرم فيصبح خائفاً من الفأرة الصغيرة؛ وهذا لا يعني قوة الفأرة، بل يعكس ضعف الأسد الذي جعله يخاف ويرتجف. وهذا هو حال انهيار سلطة (اللصوص) الإمبريالية.
في الواقع، لا يبدو أن ترامب يهتم بالتدهور الذي تشهده الأوضاع السياسية والاقتصادية في أمريكا والعالم؛ فكل همه منصبٌّ على الكسب والاستحواذ على المزيد من الأموال لتوسيع إمبراطوريته. ومن ناحية أخرى، فإن الفوضى التي يُثيرها ليست سوى ستار يختبئ خلفه للتهرب من القانون والقضاء والمساءلة. أما ادعاء ترامب بأنه سيعيد أمريكا قوية فهو محض كذب وتضليل للرأي العام الأمريكي؛ فسرعة الزمن تسحق الكيانات المتداعية، وإرادة الشعوب التي تتطلع إلى حياة حرة كريمة أقوى من تسلط اللصوص وتتحدى جبروتهم. وليعلم ترامب واللصوص الذين يحيطون به أن عصر الإمبريالية قد ولى، و" هل يصلح العطار ما أفسد الدهر".
4/3/2026