كانت مدينة الموصل تغلي في آذار عام 1959 والعقيد عبد الوهاب الشواف يخطط للاطاحة بالزعيم عبد الكريم قاسم واستلام الحكم لنفسه وعدد من جماعته الضباط القوميين الذي ناصبوا ثورة 14 تموز وهي في ايامها الاولى العداء , هذه الحركة غير المدروسة بشكل جيد والسريعة أدت الى قمعها من قبل الجيش العراقي بقيادة الشهيد الزعيم عبد الكريم وجرى قتل العقيد الشواف وعدد آخر من رفاقه ومن المدنيين في الموصل ..كان الناس في هرج ومرج وحمل البعض منهم السلاح لاستخدامه ضد خصومه وخاصة البعثيين والقوميين والاسلاميين الذي صاروا يفتكون بالعناصر الشيوعية واليسارية بشكل عام ..وفي الاسبوع الاول من شهر آذار , جاء انصار السلام الى الموصل في الخامس والسادس من أذار 1959 وعقد الاجتماع في الملعب الرياضي الكائن في منطقة (قضيب البان ) ولم يحدث ما يعكر الامن وفي السابع من اذار عادوا الى مدنهم في اربعة قطارات بالاضافة الى الذين وصلوا بسياراتهم الخاصة , في اليوم التاسع تم قتل الشابة الموصلية حفصة العمري وكذلك قتل والدها أحمد ولعدم معرفة الفاعل بهذه الجريمة فقد الصقت بالشيوعيين في المدينة عمداً بالوقت الذي لم تكن فيه حفصة سياسية معروفة بعدائها للشيوعيين ولم تكن كاتبة او باحثة في شأن يتعلق بتشويه سياسة الحزب الشيوعي والمس بقادته على سبيل المثال , بل أنها كانت شابة صغيرة السن بعيدة الى حد ما عن السياسة وخفاياها فهي مواليد عام 1937 اي ان عمرها حينذاك كان 22 سنة فقط وكانت واقفة في شرفة دارهم حيث أكد السياسي المخضرم الراحل مكرم الطالباني حينما سأله أحد الصحفيين عن مقتلها ..قائلاً له ..هي شابة دفعها الفضول لمشاهدة الناس وصخبهم قرب دارها فجائتها طلقة طائشة وقتلتها ولم تكن للشيوعيين يد في ذلك ..لكن إدعى اعداء الشيوعيين ان حفصة العمري التي قتلت ولم تكن هي المستهدفة بل راحت ضحية اشتباك امام دارهم مع عدد من المسلحين المتحصنين فيه من مؤيدي حركة الشواف , لقد ادعوا ان الشيوعيين قتلوها ومثلوا بها وعلقوا جثتها على عمود كهرباء وترسخت هذه الاكذوبة التي كانت غاية نشرها تأليب عامة الناس على شيوعيي الموصل والحقيقة انها قتلت خطأ ولم تسحل ابدا بل اخذوا جثتها الى الطب العدلي ودفنت في مقبرة العائلة وهذا ما اكده السيد سعيد حامد مدير عام تربية نينوى الاسبق والذي كان من المشيعين الى المقبرة وفي نفس اليوم الذي قتلت فيه ..قتلت حفصة العمري يوم 9 اذار عام 1959 بطلقة طائشة بعد قصف مقر الشواف حيث كان بيتها يقع بالقرب من معسكر الغزلاني , وقتلت غنية ابنة الشيوعي محمد عبد اللطيف من قبل العصابات واغوات منطقة باب البيض انتقاما من والدها ..! ومن الجدير بالذكر أنه لم يتطرق جميع القوميين العرب والاسلاميين في كتاباتهم لمقتل غنية التي لم يتجاوز عمرها ال 14 عاما بينما اقاموا الدنيا ولم يقعدوها على مقتل حفصة العمري حتى انهم ادعوا كذبا انها اغتصبت وعلقت جثتها على باب الجسر القديم والامر الذي لا يختلف عليه اثنان من المعاصرين وشهود العيان ان جثتها ارسلت سالمة الى الطب العدلي وشيعت ودفنت في اليوم نفسه في مقبرة العائلة . ولم تمس بسوء , لكنها سموم الحقد على الشيوعيين وحزبهم ..وبعد ان هدأت الامور في الموصل وخاصة حينما كانت بعض الصحف المصرية تنشر الاكاذيب حول مصرعها وكونها علقت من نهديها ودق مسمار غليظ في موضع عفتها وسحلت بقايا جثتها على مرأى بقايا اقربائها ! كما زعموا زورا ..علما ان الشيوعيين لم يقتلوا حفصة ووالدها احمد العمري بل اتهم بقتلها وبعد التحري والتحقيق ..العريفان جبار راضي ومحمد ماضي واصدر المجلس العرفي الثالث حكم الاعدام بحقهما ونفذ في شهر ايلول عام 1963..وصارت هذه الحادثة مصدر تشويه لسمعة الشيوعيين وبث الاشاعات المغرضة ضدهم والتي تلقفها بعض الصحفيين والمثقفين واستخدموها لتصفية الحساب مع الحزب الشيوعي نتيجة خلافاتهم معه ومنهم الشاعر المعروف بدر شاكر السياب الذي صار ينشر بعض اشعاره المنددة بقتل حفصة دون التدقيق بالفاعل وصب جام حقده على الشيوعيين وعلى الزعيم الشهيد عبد الكريم قاسم بحيث أنه حينما ساعده الزعيم بالمال وارسله للعلاج الى لندن ..كتب قصيدة تمجده وأسماها الزعيم ..ثم وفي يوم انقلاب 8 شباط سارع لتأييده بقصائد قام بتغيير إسم القصيدة الى الزنيم مشوهاً الشهيد عبد الكريم ومرحباً بالانقلاب الفاشي وقادته ..وحول حفصة كتب قصائد بحقها ومنها ما قال ..تمثالك العذراء ..تمثالك الام الشمالية ..لانها ليست شيوعية ..يقطع نهداها , تسمل عيناها...عشتار على ساق الشجرة ...صلبوها ..ودقوا مسمارا في بيت الميلاد..! الرحم ..!عشتار بحفصة مستترة....الخ وفي يوم 8 شباط عام 1963 وكان حينها يرقد دون حراك في مستشفى سان ماري بلندن كتب مبتهجاً ...هرع الطبيب اليَ آه ..لعله عرف الدواء .. للداء في جسدي فجاء ..هرع الطبيب الي وهو يقول ..ماذا في العراق ..! الجيش ثار ومات قاسم ..اي بشرى بالشفاء ..ولكدت من فرحي أقوم , أسير .. أعدو دون داء ..ومرحى له ..اي انطلاق ..مرحى لجيش الامة العربية انتزع الوثاق ..يا اخوتي بالله بالدم بالعروبة بالرجاء , هبوا فقد صرع الطغات وبدد الليل الضياء ..فلتحرسوها ثورة عربية صعق (الرفاق ) منها , وخر الظالمون لأن تموز استفاق من بعد ما سرق العميل سناه , فانبعث العراق ..وكتب غير ذلك من الخرط الذي لا يليق بشاعر مبتدأ وليس السياب المعروف بأشعاره الجميلة .قال الشاعر السياب ايضا ..يا حفصة ابتسمي فثغرك زهرة بين السهوب..اخذت من العملاء ثارك كف شعبي حين ثار ..فهوى الى سقر عدو الشعب فانطلقت قلوب ..! ( كان الشهيد عبد الكريم محبوب الشعب وليس عدوهم ..! ) الخ من كلام تافه بلا قيمة ..وخاصة بحق شهيد وطني كان يعيش في بيت مستأجر بالوقت الذي بنى فيه آلاف البيوت لفقراء الشعب العراقي ..وفي عدد من المحافظات ومنها مدينة الثورة في بغداد ..وأخيراً على الاعلاميين والصحفيين والمؤرخين ان يكونوا حياديين ونزيهين ولا يعبثوا بالتاريخ حسب ميولهم وافكارهم مهما كانت..
................................................................................................
ملاحظة ..بعض السطور الموثقة أخذت من كتاب تحت عنوان ..تاريخ الحزب الشيوعي العراقي في لواء الموصل 1934 الى 1970 للاستاذ الدكتور حسام الدين اسماعيل رشيد ..
من قتل الشابة حفصة العمري في الموصل ..!