في عالمٍ يزداد صخبا كل يوم، ويغدو فيه الانقسام قاعدة لا استثناء، تبدو راحة البال نعمة نادرة يبحث عنها الإنسان كما يبحث العطشان عن قطرة ماء في صحراء ممتدة. ومن بين أكثر ما يعصف بالسكينة الداخلية للإنسان الانغماس الأعمى في التحزب السياسي، حيث تتحول القناعات إلى متاريس، والاختلاف إلى خصومة، والرأي إلى معركة لا تنتهي.
التحزب في جوهره ليس خطأ مطلقا؛ فالحياة السياسية في كثير من البلدان تقوم على التعددية وتنوع الآراء، وهو أمر صحي عندما يكون هدفه خدمة المجتمع وتطوير الدولة. لكن المشكلة تبدأ حين يتحول الانتماء الحزبي إلى ولاء أعمى، يعطل العقل ويستبدل التفكير بالنصوص الجاهزة والشعارات الصاخبة. عندها يصبح الإنسان أسيرا لموقفٍ مسبق، لا يرى العالم إلا من نافذة حزبه، ولا يسمع إلا صدى صوته.
وحين يصل التحزب إلى هذه الدرجة، فإنه لا يدمر المجال العام فحسب، بل يفتك أيضا براحة الفرد وسلامة فكره الداخلي. فالحزبي المتعصب يعيش دائما في حالة استنفار: يدافع، ويهاجم، ويبرر، ويخاصم. يفرح إذا انتصر حزبه ولو خسر الوطن، ويحزن إذا خسر حزبه ولو ربح الناس. وهكذا يتحول الوعي إلى ساحة صراع دائم، ويغدو العقل مشدودا إلى معارك لا تنتهي.
أما الإنسان الذي يضع مسافة بينه وبين التعصب الحزبي، فإنه يفتح لنفسه بابا واسعا للحرية الفكرية. يستطيع أن يرى الحقيقة من زوايا متعددة، وأن يحكم بعقله لا بشعار مرفوع. هذا النوع من الناس لا يعيش في خندق، بل في فضاء أوسع من الانتماءات الضيقة؛ فضاء يكون فيه الوطن أكبر من الحزب، والإنسان أهم من الأيديولوجيا.
إن ترك التحزب الأعمى لا يعني الانسحاب من الشأن العام أو التخلي عن المسؤولية الوطنية، بل يعني استعادة التوازن بين الفكر والضمير. فالمواطن الواعي يمكنه أن يساند فكرة أو مشروعا أو برنامجا سياسيا دون أن يتحول إلى تابع يبرر الخطأ ويقدس الزعيم. الفرق كبير بين الانتماء الواعي والتعصب الأعمى؛ الأول يثري العقل، والثاني يقيده.
وقد علمتنا تجارب التاريخ أن الأمم التي تقدمت لم تفعل ذلك عبر صراع الأحزاب على الغنائم، بل عبر اتفاقها على القيم الكبرى: العدالة، والحرية، واحترام الإنسان. أما حين تتحول الأحزاب إلى غايات بحد ذاتها، فإن السياسة تتحول إلى سوق للمصالح، وتغدو الشعارات مجرد أقنعة تخفي وراءها صراعات النفوذ.
لذلك فإن راحة البال لا تأتي من الانسحاب من التفكير، بل من التحرر من التعصب. أن يكون الإنسان حر العقل، واسع الأفق، قادرا على نقد من يحب ومساندة من يختلف معه إذا كان على حق. عندها فقط يشعر بأنه يعيش لنفسه ولوطنه، لا لراية حزبية تتغير ألوانها بتغير المصالح.
في النهاية، ربما لا يستطيع الإنسان أن يغير العالم كله، لكنه يستطيع أن يحفظ صفاء روحه. ومن أراد راحة البال حقا، فليجعل ضميره مرجعه الأول، وليترك التعصب للأحزاب، فالأوطان تبقى… أما الأحزاب فغالبا ما تتبدل، وتذوب مع الزمن مثل شعارات كتبت على جدار قديم.