لطالما سكنت في مخيلتنا الجمعية صورة "العالم الورع"، ذلك الكائن الذي ينسك خلف جدران المختبرات الباردة، يرتدي معطفاً أبيض ناصعاً كقلبه، ولا تحركه الا الرغبة المجردة في فك شفرات الطبيعة لنفع البشرية. هذه الصورة النمطية هي التي جعلت المجتمع يمنح العلم حصانة تشبه حصانة الأنبياء، ويحيط اهله بهالة من النزاهة المطلقة التي لا يطالها الشك.

لكن هذه الهالة القدسية تتهاوى امام حقائق صادمة كشفتها صفحات كتاب "خونة الحقيقة" (Betrayers of the Truth) للصحفيين ويليام برود ونيكولا ويد والذي صدر قبل اكثر من عقدين من الزمان. هذا الكتاب ليس مجرد سرد تاريخي او بحث علمي جاف، بل هو اشبه برواية "جريمة وتحقيق" مثيرة تدور احداثها داخل اروقة المختبرات العريقة وأرقى الجامعات العالمية، حيث تبرز قصص شخصيات اذهلت العالم بزيف ابحاثها، مثل إلياس السبتي الذي شيد امبراطورية من الورق، وعبد الفتاح السياب وادعاءاته حول ادوية 'بكرين وصدامين' والذي تذكرنا بهما الروائية انعام كجه جي مؤخرا في مقالتها حول الكتاب.

لقد جاء هذا الكتاب ليقذف بحجر ثقيل في بحيرة العلم الراكدة، محطماً صنم "العصمة العلمية" الذي قُدّس طويلاً. لم يكن "خونة الحقيقة" مجرد رصد لحالات غش عابرة، بل كان بياناً صاعقاً يعلن أن العلماء بشر، تسري في عروقهم دماء الطمع، وتُحركهم النرجسية والبحث عن السلطة والتمويل بأي ثمن.

يخبرنا المؤلفان أن هؤلاء هم 'الخونة' الحقيقيون، لأنهم لم يسرقوا أموالاً أو مناصب فحسب، بل سرقوا أثمن ما يملكه العلم: المصداقية.  ومن هنا، ومن وحي تلك الحالات الدراسية الدولية، تبدأ رحلتنا في سبر أغوار هذا العالم المظلم، لنقارن بين زمنين: زمن "اللص الكلاسيكي المبدع" وزمن "المزور المؤسسي الحديث".

 

السبتي.. "روبن هود" الابحاث المسروقة

في سبعينيات القرن الماضي، وقبل ان يصبح العالم قرية صغيرة بفضل الانترنت، كان التزييف يتطلب مهارات تشبه مهارات الجواسيس. في تلك الحقبة، برز اسم الياس السبتي، الشاب الذي تحول من مجرد طالب يبحث عن موطئ قدم، الى اسطورة في عالم التزوير الاكاديمي.

الاسلوب الكلاسيكي:

لم يكن السبتي يحتاج الى "ذكاء اصطناعي"، كان سلاحه الفتاك هو "المقص، الصمغ، والالة الكاتبة". كانت استراتيجيته تعتمد على "الانتحال الحرفي" باكثر صوره وقاحة. كان يذهب الى المكتبات المركزية، ينبش في ارفف المجلات العلمية المغمورة التي يعلوها الغبار - مجلات يابانية، المانية، او برازيلية لا يقرؤها احد في الغرب. يصور البحث كاملا، يقص العنوان الاصلي، يلصق عنوانا جديدا براقا، ويضع اسمه بخط عريض كـ "باحث رئيسي".

الهروب الكبير:

استخدم السبتي ذكاءه الاجتماعي لتمهيد طريقه. في العراق، حصل على دعم سياسي كبير بفضل "شطارته" في ايهام المسؤولين بأنه قاب قوسين او ادنى من اكتشاف علاج للسرطان. هذا الدعم كان "جواز السفر" الذي عبر به الى الاردن ثم الى الولايات المتحدة. هناك، في ارقى الجامعات الامريكية، بدا السبتي ينثر ابحاثه "المسروقة" كمن ينثر البذور في ارض خصبة. نشر 60 بحثا في ثلاث سنوات فقط! في ذلك الوقت، كان هذا الرقم كافيا لجعل اي بروفيسور في هارفارد يشعر بالتقزم امام هذه "العبقرية القادمة من الشرق".

السقوط المدوي:

لكن الغرور هو مقتل المزور. بدا السبتي يطالب بمناصب رفيعة ورواتب فلكية، مما اثار حفيظة زملائه. بدأ بعض العلماء يلاحظون ان اسلوب الكتابة في ابحاثه يتغير بشكل جذري من ورقة لاخرى (وهو امر طبيعي لانه كان يسرق من كتاب مختلفين). وعندما بدات المراسلات بين المجلات العلمية، اكتشف الجميع ان "العبقري" لم يكن سوى "ناسخ" محترف. انتهت رحلته بحادث سيارة غامض، تاركا خلفه تساؤلا لم يحسمه كتاب "خونة الحقيقة": هل كان السبتي يعتقد فعلا انه يخدم العلم بطريقته الملتوية، ام ان الامر كله كان مجرد "نصب" للوصول الى سيارة كاديلاك ومنصب رفيع؟

 

عبد الفتاح السياب.. مسكنات الالم السياسي

على مقلب اخر من الزيف، كان عبد الفتاح السياب يقدم نموذجا مختلفا: تزييف "النتائج" لا "الاوراق". ادعى السياب اكتشاف ادوية اطلق عليها اسماء ذات رنين سياسي في حينها (بكرين وصدامين)، مدعيا انها ثورة في عالم الطب.

هنا يظهر وجه اخر للخيانة العلمية: تزييف الامل. عندما تزاوجت السلطة المطلقة مع العلم الزائف، تحولت المختبرات الى ادوات للدعاية السياسية. لم يجرؤ احد في البداية على التشكيك، لان التشكيك في "البكرين" كان يُنظر اليه كتشكيك في قدرة الدولة. لكن الحقيقة، كما يقول "برود وويد"، لا يمكن خنقها للابد. انتهى المطاف بالاعتراف بان تلك الادوية لم تكن سوى مسكنات عادية، وتراجع السياب خلف الاضواء، تاركا درسا قاسيا عن كيف يتحول العلم الى "نكتة" تتداولها الاوساط الطبية سرا عندما يغيب الضمير والرقابة.

 

عصر "التوربينات".. الاكاديمي السريع

نقفز الان عقودا لنصل الى عصرنا الحالي. لو بُعث السبتي اليوم، لشعر بالخجل من تواضع انجازاته. نحن نعيش في عصر "النشر او الهلاك" (Publish or Perish)، حيث تحول البحث العلمي من رحلة استكشافية الى "سباق تسلح" رقمي وبالخصوص في العراق والدول العربية وايران وباكستان والهند والصين.

البروفيسور "التوربيني":

اليوم، هناك اكاديميون ينشرون 100 بحثا في السنة الواحدة. بعملية حسابية بسيطة، هذا يعني بحثا كل ثلاثة ايام! السبتي كان "سلحفاة" مقارنة بهؤلاء. لكن كيف يفعلونها؟ هل هم عباقرة خارقون؟

الجواب يكمن في "المادة المظلمة" للاكاديميا: المجلات المفترسة. هذه المجلات لا تمتلك لجان تحكيم حقيقية، انها شركات تجارية تبيع "صكوك الغفران العلمية". تدفع مبلغا من المال، وتحصل على قبول النشر خلال 24 ساعة. العلم هنا تحول الى "سلعة" تباع وتشترى بالدولار.

 

كتالوج التزييف المؤسساتي (موديل 2026)

اذا كان السبتي قد اعتمد على "المقص"، فان مزور اليوم يعتمد على "الشبكات". لم يعد التزوير جهدا فرديا بائسا، بل صار "منظومة" متكاملة تعتمد على الاستراتيجيات التالية:

  1. عصابات الاستشهاد المتبادل (Citation Cartels):

مجموعة من الباحثين يتفقون سرا: "انا استشهد ببحثك في ورقتي، وانت تستشهد ببحثي في ورقتك"، حتى لو لم تكن هناك علاقة بين الموضوعين. الهدف هو رفع "معامل التاثير" الوهمي وخداع الخوارزميات.

  1. تقنية "السلامي" (Salami Slicing):

بدلا من نشر دراسة واحدة متكاملة وعميقة، يقوم الباحث بتقطيعها الى 10 اوراق هزيلة. ورقة عن "تاثير الملح في الصباح"، وورقة عن "تاثيره في المساء"، وثالثة عن "تاثيره في الجو الممطر". والنتيجة: قائمة ابحاث طويلة، ومحتوى فارغ.

  1. النشر بالوكالة وشراء المؤلفين:

هناك اسواق سوداء الان تسمى بمصانع الاوراق تبيع "اماكن" على الاوراق العلمية. يمكنك ان تشتري "المؤلف الثالث" في بحث طبي مرموق وانت متخصص في الهندسة المعمارية، مقابل مبلغ مالي.

  1. سطوة الاشراف "الاقطاعي":

في كثير من الجامعات، لا يستطيع طالب الدراسات العليا نشر ورقة دون وضع اسم "البروفيسور الكبير" كباحث اول، حتى لو لم يفتح البروفيسور ملف البحث ابدا. هذا هو "التزوير الشرعي" الذي يغذي كروش الاكاديميين الكبار بالارقام.

 

المفارقة الساخرة.. الكاديلاك مقابل سكوبس

في السبعينيات، كان السبتي يدافع عن نفسه بمنطق اجتماعي ساخر. عندما حوصر بالاسئلة، كان يشير الى سيارته الكاديلاك الفارهة ويقول ما معناه: "المشكلة ليست في ابحاثي، المشكلة انكم حاسدون ولا تملكون مثل هذه السيارة!". كان نجاحه يقاس بالمظاهر المادية الفجة.

اما اليوم، فالمزور يرتدي لبوسا "مؤسسيا". عندما تساله: "كيف نشرت 100 بحث؟"، يجيبك بوقار مصطنع: "انه العمل الجماعي، وروح الفريق، والادارة الفعالة للوقت!". انه يستخدم مصطلحات "سكوبس" ليغطي على جثث الحقيقة العلمية التي قتلها بدم بارد.

السبتي كان يسرق ليثبت انه "عبقري" (نزعة فردية)، اما دكاترة اليوم فيسرقون ليثبتوا انهم "موجودون" في تصنيفات الجامعات (نزعة مؤسساتية). السبتي كان "خائنا منفردا"، اما اليوم فالخيانة اصبحت "ثقافة مؤسساتية" يشترك فيها الباحث والمجلة وحتى الجامعة التي اما تشجع او تغض الطرف عن ارقام استاذها الوهمية لانها ترفع ترتيبها العالمي.

 

هل مات السبتي حقا؟

ان كتاب "خونة الحقيقة" لم يكن يهدف للاساءة لهوية معينة، بل كان يقدم "دراسة حالة" عن الطبيعة البشرية عندما توضع تحت ضغط الطموح غير المشروع. واليوم، ندرك ان السبتي لم يمت في ذلك الحادث الغامض، بل هو حي يرزق، يسكن في "خوادم" المجلات المفترسة، ويتنفس من خلال الاوراق العلمية التي تُطبع وتُرمى في سلال المهملات الرقمية.

المفارقة المضحكة المبكية اننا في الماضي كنا نخشى من "الجهل"، اما اليوم فنحن نخشى من "وهم المعرفة". العلم الحقيقي لا يزال يسكن في تلك المختبرات الصامتة التي يعلوها الغبار، حيث يعمل باحث حقيقي لسنوات على فكرة واحدة. اما "ابطال سكوبس"، فهم مجرد ورثة شرعيين لالياس السبتي، لكنهم استبدلوا الكاديلاك القديمة بـ "رتب اكاديمية" جوفاء، واستبدلوا مقص السبعينيات بـ "توربينات" نشر لا تتوقف عن تزييف الحقيقة.

الخلاصة: بالامس كان التزوير "فناً" يمارسه افراد بوقاحة، واليوم اصبح "صناعة" تمارسها مؤسسات بلياقة. وتبقى الحقيقة، كعلاج السياب، مجرد مسكن مؤقت في انتظار من يمتلك الشجاعة ليعيد للعلم رداءه الابيض الناصع.

 

* بروفسور متمرس ومستشار دولي، جامعة دبلن