" عيدٌ بِأَيَّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ

بِما مَضى أَم بِأَمرٍ فيكَ تَجديدُ "

المتنبي

فلسفة العيد لدى الشعوب والبشرية عمومًا هي ظاهرة اجتماعية وحاجة إنسانية ماسة لكسر رتابة الحياة، بهدف التجديد الذي يبعث روح التأمل والتفاؤل والفرح. و باختصار  ان مفردة العيد ترسم البسمة على الوجوه وتبعث البهجة في النفوس. و في المقابل فان مفردة الحرب بحد ذاتها ترمز إلى الشؤم والنحس والحزن والخوف والرعب.

إذاً  كيف يمكن أن يجتمع النقيضان : الشؤم والتفاؤل في وقت واحد؟

وما هي الحالة النفسية التي يُصبح عليها البشر نتيجة لذلك؟

من المعلوم  لدى الجميع أن مشعلي نيران الحروب هم القوى الشريرة، ووحوش الحرب، والتجار الذين يسعون لتحقيق مكاسب منها، ومعهم المافيات المستفيدة من وراء الكواليس. هذه الزُمر المتوحشة، التي لا تمت للإنسانية بصلة سوى بجلود البشر، هي وحوش لا ترضى بالعيش إلا في  قانون  الغاب ، تدفعهم نزعتهم الشريرة والعدوانية المتأصلة في نفوسهم المريضة والحاقدة. لا يُبالون بالنتائج المترتبة على أفعالهم المتهورة والعبثية، والتي قد تأتي بنتائج عكسية لما يطمحون إليه من منافع، فينقلب شرهم وخبثهم عليهم، وليس فقط على ضحايا حربهم الإجرامية التي يسفكون فيها  الدماء ويزهقون الأرواح، ولم يسلم من شرها وخرابها ودمارها البشر، والشجر، والحجر، ولا الشيوخ الركّع، ولا الأطفال الرضّع، ولا  البهائم الرتّع  .

و بما أن الحرب مصدرها الشر والقوى الشريرة، فإن القوى التي تتصدى لها بحكم  الحقيقة والواقع ومنطق العقل هي قوى الخير والصلاح ، وبقيادة لأحرار المدافعين  عن أنفسهم وأرضهم وعرضهم وديارهم وأمنهم ومستقبل الأجيال القادمة وتحقيق الحياة الخالية من نيران الحروب المدمرة  والسعي من اجل حياة حرة كريمة .

هنا تتحول فرحة العيد من التقليدية، التي تكسر رتابة الحياة الروتينية، الى فرحة من نوع آخر ، تكمن في طياته  إشراقة يوم جديد مفعم بالتفاؤل. فتنطلق  من أعماق ضمائر الاحرار ، عندما تنتصر قوى الخير على قوى الشر والعدوان وتندحر النوايا الشريرة ، وقوى الشر ، وهزيمة المعتدي، وذلك  بأغلى التضحيات العظيمة وأسمى درجات البذل والعطاء من أجل العقيدة والوطن والمبادئ الخيرة السامية، والمثل العليا.

و "الجود بالنفس أسمى غاية الجود".

القوى الخيرة تقاوم قوى الشر والعدوان بشجاعة وإصرار وإرادة فولاذية، وهي تجسد أقصى غايات البذل والعطاء والتضحية والإباء، وتصل إلى منتهى مراتب الإيثار، لانها تؤمن بنفسها  بكل  ثقة ، متجاوزة غريزة حب البقاء والعيش البهيمي.  

إن الحياة قائمة على البذل والعطاء . فالمناضلون والمجاهدون الأبطال من معدن واحد في كل زمان ومكان، على الرغم من اختلاف بعض الرؤى؛ فالهدف يبقى واحدًا: الحرية والعدالة والمساواة والعيش الكريم، ورفض الاستسلام والخضوع. وكما أشرت،  أن المناضلين والمجاهدين من معدن واحد أينما وجدوا وفي كل زمان ومكان، ومن يفرق بينهم فهو إما جاهل أو ينطلق من أفق ضيق، أو هو عدو للحرية والأحرار. وكما قال أمير الشعراء أحمد شوقي:

وللحرية الحمراء بابٌ... بكل يدٍ مُضَرَّجةٍ يُدَقُّ.

فالأحرار يرفضون الذل والعبودية، ولا يرضون حياة المذلة والضعف والهوان. وعندما  رأى الأمام الحسين بن علي  سيد الشهداء  وأبا الأحرار  ورمز البطولة  والفداء وقدوة كل حر شريف  على مدى التاريخ البشري  ، وقد تحشدت وتجمعت  كل قوى  الشر والعدوان لكسر إرادته وإذلاله أو الموت بعز وكرامة، وكان على يقين تام  أن القوم قاتلوه لا محالة، قام خاطبًا شامخًا، قويًا، صلبًا، بصوته الذي يتردد صداه في كل زمان ومكان وعبر العصور والأزمنة متحديًا الظلم والظلمة، إذ قال:

" أيها الناس، إن الدنيا قد تغيرت وتنكرت، وأدبر معروفها، واستمرت حتى لم يبق منها إلا بقية قليلة كالصبابة التي تبقى في قعر الإناء، وعيش خسيس كالمرعى الوبيل. ألا ترون إلى الحق لا يُعمل به، والباطل لا يُنتهى عنه؟ فليرغب المؤمن في لقاء ربه، فإني لا أرى الموت إلا سعادة، والحياة مع الظالمين إلا برما ".

وفي الحقيقة، يمكن القول إن العيد  الحقيقي ينبعث من بين تضحيات المناضلين والمجاهدين الأحرار عندما ينتصر الحق على الباطل ، والمظلوم على الظالم ، وتكون فرحة العيد ليست مجرد نشوة عاطفية  عابرة ،  بل هي فرحة  انتصار يشهد لها التأريخ ، تشرق عندما تنتصر قوى الخير على الشر والعدوان ، وعلى رأسها الأمبريالية وحليفتها الصهيونية العالمية ، عندئذ تعيش البشرية تحت ظلال شجرة الحرية والعدالة الأجتماعية والمساواة ، وهذا هو العيد الأكبر الذي يفرح به الجميع ، حيث لا مكان فيه للطغاة والظالمين ، واللصوص ، والمستغلين..

19/3/2026