لم يختبر ترامب قط دبلوماسية جادة ومستدامة لحل القضايا المتشعبة والمتضاربة مع إيران؛ بل لجأ إلى وهم أن عددًا كافيًا من القنابل كفيل بـ”إنهاء” صراع امتد لما يقارب خمسة عقود.

هذه الحرب مع إيران هي حرب اختيارية، بل ومتهورة. قدّم الرئيس ترامب سلسلة من المبررات – تهديد “وشيك” وضرورة تدمير مخزون الصواريخ الإيراني وقدرتها التصنيعية وتفكيك برنامجها النووي وإحداث تغيير في النظام وإشعال انتفاضة داخلية. ومع ذلك، وبعد أسابيع من صراع وحشي، لم تُحدد إدارته بعد هدفًا واضحًا ومتماسكًا يتناسب مع المخاطر والتكاليف المترتبة على هذه الحرب. هذه ليست إستراتيجية؛ إنها ارتجال بذخيرة حية.

حرب اختيارية ما كان ينبغي لها أن تبدأ
يزعم المدافعون عن الحرب أن ترسانة إيران الصاروخية المتنامية وتراكم اليورانيوم عالي التخصيب وشبكة وكلائها لم تترك للولايات المتحدة خيارًا سوى توجيه ضربة. ويتحدثون عن “تهديد وشيك يتحرك ببطء”، بحجة أن البديل للحرب الآن هو حرب أسوأ بكثير لاحقًا. ولكن حتى لو سلّمنا بأن مسار إيران كان مقلقًا للغاية، فلا يعني ذلك بالضرورة أن حملة جوية وبحرية شاملة – ضربات استهدافية وهجمات واسعة النطاق على البنية التحتية وتصعيد مفتوح – كانت الخيار الوحيد أو الأكثر حكمة.

سوء تقدير المقاومة الإيرانية وقدرتها على الصمود وخططها الحربية
يكمن سوء التقدير في جوهر هذه الحرب في الإعتقاد بأن إيران ستنهار بسرعة تحت وطأة الصدمة والترويع. ويبدو أن ترامب ونتنياهو قد استهانوا بشدة بقدرة إيران على الصمود وقدرتها على الرد غير المتكافئ وعمق استعداداتها. لقد فعلت إيران إلى حدّ كبير ما توقعته عقيدتها وتوقعه عدد لا يحصى من الخبراء: إطلاق صواريخ وطائرات مسيرة على قواعد أمريكية وإسرائيل وحشد “محور مقاومتها” في جميع أنحاء المنطقة والتحرك نحو إغلاق مضيق هرمز أو تعطيله بشكل كبير، مما يعرض أسواق الشحن والطاقة العالمية للخطر.

وبدلاً من “حرب شاملة” قصيرة وحادة، نواجه الآن مواجهة طويلة الأمد أدت إلى ارتفاع أسعار النفط، وزعزعت الأسواق العالمية، وأجبرت الدفاعات الجوية الأمريكية والإسرائيلية على خوض عمليات مكثفة دون نهاية واضحة في الأفق. يصرّ مؤيدو الحرب على أن القدرات العسكرية الإيرانية “تتراجع بشدة”. ربما. لكن التراجع لا يعني الهزيمة، والخصم الجريح الذي يمتلك أدوات غير متكافئة سليمة غالباً ما يكون أكثر خطورة، لا أقل.

دفع نتنياهو للتصدّي لرغبة ترامب في “إنهاء” الصراع
يلقي العديد من المراقبين باللوم على رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو لدفعه ترامب إلى حافة الهاوية. دافع نتنياهو لعدة سنوات عن سياسة تصادمية تجاه إيران معارضًا الإتفاقات النووية السابقة ومصوّرًا الجمهورية الإسلامية كتهديد وجودي يجب مواجهته، لا إدارته. بصماته واضحة في هذه الأزمة. ومع ذلك، فإن التركيز على نتنياهو وحده يحجب دور ترامب وطموحه. يصف مساعدوه الحرب بأنها فرصة تاريخية “لإنهاء” مشكلة إيران نهائيًا، أي فعل ما لم يفعله الرؤساء السابقون.

هذا وهم. لا يمكن محو هوية أمة، أو صدمتها، أو شعورها بالحصار، أو منطق الردع بالقصف. إن الإعتقاد بأن الضربات التي تستهدف القيادات العليا وتدمير البنية التحتية سيؤدي إلى إيران مطيعة ما بعد الثورة تكون مستعدة لتبني تفضيلات الولايات المتحدة، يفتقر إلى أي أساس تاريخي. والأسوأ من ذلك، أن استهداف القيادات العليا غالبًا ما يُقوّي الفصائل الأكثر تشددًا، مؤكدًا على قناعتها بأن الصواريخ والوكلاء والقدرات النووية الكامنة هي وحدها الكفيلة بحماية البلاد.

عدم وجود استراتيجية للخروج وتحالف متصدّع
بعد ثلاثة أسابيع من الحرب،لا تزال استراتيجية الخروج غائبة. يبدو ترامب محاصرًا سياسيًا واستراتيجيًا. لا يستطيع تحديد مجموعة محددة من أهداف الحرب التي تحققت، ومع ذلك لا يمكنه التصعيد إلى ما لا نهاية دون المخاطرة بانفجار إقليمي أوسع أو زيادة كبيرة في الخسائر الأمريكية. وفي غضون ذلك، قوبلت مناشداته بردود فاترة لتشكيل تحالف بحري دولي لإبقاء مضيق هرمز مفتوحًا. فقد رفض حلفاء رئيسيون في أوروبا وكندا وأستراليا إرسال قوات تحت القيادة الأمريكية أو اقتصر دورهم على حماية سفنهم، معلنين صراحةً بأنهم لن ينجروا إلى حرب لم يبدأوها ولم يُستشاروا بشأنها بجدية.

سيناريوهات نهاية الحرب و”إنجاز المهمة”
هذا هو السياق الذي يجب أن ننظر فيه إلى نهاية المطاف. بشكل عام، تُناقش عدة سيناريوهات: حملة جوية وبحرية مطولة تنتهي بإعلان أمريكي أحادي الجانب “للنصر”؛ وقف إطلاق نار بوساطة جهات إقليمية ودولية؛ تصعيد خطير إلى عمليات برية محدودة؛ أو حرب إقليمية خارجة عن السيطرة تشمل جبهات متعددة. من بين هذه السيناريوهات، لا يُقدم سوى خفض التصعيد بالتفاوض القائم على أهداف واقعية مسارًا يتجنب إحداث مزيد من عدم الإستقرار بدلًا من حله.

تحتاج الولايات المتحدة إلى مخرج يمكّن ترامب من إعلان النصر دون المطالبة باستسلام إيران. ويمكن لسردية “إنجاز المهمة” المُحكمة الصياغة – التي تؤكد أن واشنطن قد أضعفت بشدة القدرات العسكرية الإيرانية وإنتاج الصواريخ، وقدرتها على إعادة بناء برنامجها النووي – أن توفر ذلك. ولكن يجب أن تقترن هذه السردية بمضمون حقيقي: فترة تهدئة تمتد لعدة أسابيع دون شن أي هجمات جديدة، ووضع حدّ للخطاب المنتصر والمهين بشأن إيران وإجراء اتصالات سرية عبر قنوات خلفية لاستكشاف شروط استئناف محادثات أوسع.

فترة التهدئة وتجنب الإذلال
غالباً ما يُستهان بأهمية اللهجة باعتبارها مجرد مظهر. وهذا غير صحيح. فالسياسة الإيرانية غارقة في ذكريات الإذلال – التدخل الأجنبي عام 1953 والحرب الإيرانية العراقية الوحشية وعقود من العقوبات. إن التباهي العلني من قبل القادة الأمريكيين أو الإسرائيليين بقتل المرشد الأعلى الإيراني أو “سحق” قواتها المسلحة لن يؤدي إلا إلى تضييق هامش أي صانع قرار إيراني للتفكير في الحوار.

يجب أن نتذكر جميعاً أن الفخر الوطني ليس بضاعة ترف في طهران؛ إنه ضرورة سياسية. إذا أرادت الولايات المتحدة من إيران إبداء مرونة، فعليها أن تسمح للقادة الإيرانيين بأن يصرحوا لشعبهم بأنهم دافعوا عن شرف الأمة وانتزعوا تنازلات، لا أنهم أُجبروا على الرضوخ.

التواصل عبر القنوات غير الرسمية والمحادثات متعددة الأطراف
يُعدّ التواصل والدبلوماسية عبر القنوات غير الرسمية، بتيسير من وسطاء موثوق بهم كعُمان أو قطر، أمرًا جوهريًا. لا ينبغي أن تبدأ المحادثات الرسمية بحشود أو ضجة إعلامية، بل يجب أن يسبقها استكشاف هادئ للمعايير – الخطوط الحمراء والتسلسل والتحقق. ولأن إيران، ولأسباب وجيهة، لا تثق بترامب بعد انسحابه من الإتفاق النووي عام 2018 وهجومه على إيران مرتين خلال المفاوضات (يونيو من العام الماضي وفبراير من هذا العام)، ينبغي أن ينضم للمحادثات ممثلون مقبولون لدى الطرفين – ربما البريطانيون والسعوديون – لاحقًا كمراقبين. وبدعوة من واشنطن، سيطمئنون طهران بأن الولايات المتحدة ملتزمة بالعملية وسيرسلون إشارة للمشككين بأن النتيجة دائمة وليست اتفاقًا ثنائيًا هشًا.

مفاوضون محترفون وفهم نفسي لإيران
لا يقل أهمية عن ذلك هوية المفاوضين. إن عادة ترامب في إرسال المقربين منه ووسطاء العقارات للتعامل مع ملفات أمنية بالغة التعقيد هي وصفة للإستعراض لا للنجاح. فالتفاوض مع إيران يتطلب معرفة تقنية عميقة بالقضايا النووية والصاروخية، وهيكلية العقوبات، وديناميكيات الأمن الإقليمي، فضلاً عن فهم دقيق للنفسية السياسية الإيرانية وديناميكيات الفصائل. ينبغي على الولايات المتحدة تعيين دبلوماسيين وخبراء من الطراز الأول في المفاوضات الدولية وحلّ النزاعات، لا أفراد العائلة أو شركاء العمل، لقيادة هذه المحادثات بالغة الحساسية.

أجندة تفاوض أمريكية محدودة ولكن واقعية
يجب على واشنطن حصر مطالبها في ما هو مشروع وقابل للتحقيق. وتهدف حزمة واقعية إلى إنهاء تمويل إيران ودعمها العملياتي للوكلاء الذين يهاجمون القوات الأمريكية ويزعزعون استقرار الدول المجاورة؛ وتقليص مخزونها من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% بموجب آلية متفق عليها بين الطرفين؛ وإنشاء إطار أمني جديد بين إسرائيل وإيران تتوقف فيه طهران عن التهديدات المباشرة وغير المباشرة ضد إسرائيل، وتتوقف إسرائيل عن تهديد النظام الإيراني.

في المقابل، ستعترف الولايات المتحدة بحق إيران في برنامج نووي مدني سلمي يخضع لمراقبة صارمة؛ وستنسق مع الشركاء الرئيسيين لرفع العقوبات المتعلقة بالبرنامج النووي على مراحل مرتبطة بالامتثال؛ وستفرج تدريجياً عن الأصول الإيرانية المجمدة؛ وستتعهد بعدم التدخل في الشؤون السياسية الداخلية لإيران؛ وستسعى نحو تطبيع تدريجي للعلاقات.

سيثير هذا الإتفاق استياءً لدى المنتقدين. سيقاوم المتشددون الإيرانيون الحد ّمن دعم حزب الله والميليشيات العراقية وغيرها من عناصر “محور المقاومة” التي تُعتبر أساسية للردع. سيجادل القادة الإسرائيليون بأن أي شيء أقل من انعدام تخصيب اليورانيوم وتفكيك الصواريخ سيُبقي على التهديد الوجودي قائماً، في حين سيُدين الصقور الأمريكيون تخفيف العقوبات أو الإعتراف بالحقوق النووية الإيرانية باعتباره استرضاءً.

ومع ذلك، فإن البديل لمثل هذه الصفقة المحددة ليس نصراً سهلاً، بل حرباً مفتوحة ومتأججة، تُشعل مراراً وتكراراً أزمات إقليمية وتُبقي أسواق النفط متوترة وتُقوّي شوكة المتطرفين الإيرانيين وتُضعف نظام التحالف الأمريكي الخليجي مع تراجع الشركاء عن مغامرات واشنطن الأحادية الجانب.

توقّعات لمحاولات إسرائيل تخريب الإتفاق
لهذا السبب، يجب على الولايات المتحدة أيضًا أن تتوقف عن السماح بتفويض سياستها تجاه إيران فعليًا لمن يشغل منصب رئيس الوزراء في القدس. نعم، لدى إسرائيل مخاوف أمنية مشروعة، ويجب ألا يُسمح لإيران بتهديد وجود إسرائيل أو استخدام الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني كأداة دائمة لزعزعة الإستقرار الإقليمي.

ولكن ليس من حق واشنطن إدارة سياستها الخارجية نيابةً عن إسرائيل. علاوة على ذلك، لا ينبغي لإسرائيل ولا للولايات المتحدة أن تملي من يحكم إيران. وطالما أن طهران تمتنع عن تهديد إسرائيل والتدخل في الساحة الإسرائيلية – الفلسطينية، فعلى الولايات المتحدة أن تحكم على الحكومة الإيرانية مبدئياً وأساسا ً من خلال سلوكها، لا أيديولوجيتها.

إيران باقية. وكذلك إسرائيل. وكذلك الحال بالنسبة لديمومة المصالح الإستراتيجية الأمريكية الراسخة في الشرق الأوسط والرغبة العالمية – لدى الأمريكيين والإيرانيين والإسرائيليين وجيرانهم – في منطقة أكثر استقرارًا وسلامًا. الحرب التي نخوضها الآن هي خيار، والإستمرار في هذا الوضع دون وجود غاية سياسية واضحة هو أيضاً خيار، وبناء مخرج يستبدل الأوهام المتطرفة بتعايش سلمي حازم وقابل للتنفيذ هو أيضاً خيار.

السؤال ليس ما إذا كان هذا المخرج سهلاً، بل ما إذا كنا نملك الحكمة الكافية لاتخاذه قبل أن تتفاقم البدائل.