يُعد علم المنعكسات الشرطية من أهم المنعطفات في دراسة السلوك الإنساني، إذ وضع أسسه العالم الروسي إيفان بافلوف، ثمّ جاء المفكر العراقي نوري جعفر ليمنح هذه النظرية أفقاً أوسع، متجاوزاً حدود التفسير الفسيولوجي إلى فهم أشمل لطبيعة الوعي الإنساني ونشأته. ومن هنا تتجلّى أهمية الربط بينهما، بوصفه انتقالاً من تفسير السلوك بوصفه استجابةً، إلى تفسير الإنسان بوصفه كائناً واعياً مُنتجاً للمعرفة.

لا يمكن فهم نظرية المنعكسات دون الانطلاق من مفهوم (الانعكاس) ذاته. فالانعكاس، في أبسط صوره، ظاهرة فيزيائية عامة تتّصف بها المادة، سواء كانت جامدة أو حية. ففي العالم اللاعضوي يظهر الانعكاس على شكل ارتداد الضوء أو انعكاس الصور، وهو انعكاس سلبي لا يحمل أي دلالة حيوية أو وظيفية.

لكن مع تطور المادة عبر مسار النشوء والارتقاء، تحوّل هذا الانعكاس من كونه ظاهرة سلبية إلى ظاهرة بيولوجية نشطة. فالكائن الحي لا يكتفي باستقبال المؤثرات، بل يستجيب لها بما يخدم بقائه. وهنا يظهر الفرق الجوهري:

-      الجماد يعكس الواقع دون تمييز أو اختيار.

-      الكائن الحي يستجيب انتقائياً وفق حاجاته.

مع تعقد الكائنات الحية وظهور الجهاز العصبي، تطورت الاستجابات لتصبح أكثر دقة وتنظيماً، فظهرت الحواس، وتعددت أنماط الإحساس، وصولاً إلى الدماغ بوصفه مركزاً لتنظيم العلاقة بين الكائن وبيئتهأما الإنسان، فقد بلغ بهذا التطور ذروته، إذ لم يعد انعكاسه للواقع مجرّد استجابة، بل تحوّل إلى إدراك واع، يمكّنه من فهم البيئة والتأثير فيها، لا التكيف معها فقط.

قدّم إيفان بافلوف تفسيراً علمياً دقيقاً لكيفية تشكّل السلوك من خلال ما سمّاه (علم المنعكسات الشرطية)، وذلك عبر تجاربه الشهيرة على الكلابمن خلال المنعكس الغير شرطي، هو استجابة فطرية مباشرة، مثل إفراز اللعاب عند رؤية الطعام. هذه الاستجابة لا تحتاج إلى تعلم، بل هي جزء من التكوين البيولوجي للكائن الحي.

أما  المنعكس الشرطي؛ هو استجابة مكتسبة، تنتج عن ربط مثيرٍ محايد كـ(صوت الجرس) بمثير طبيعي (الطعام)، بحيث يصبح المثير المحايد قادراً على استدعاء نفس الاستجابةمن خلال ذلك، أثبت بافلوف أنالسلوك ليس ثابتاً، بل قابل للتشكل، من خلال التعلم الذي يتم عبر الربط بين المثيرات، ومن خلال الجهاز العصبي الأعلى هو المسؤول عن تنظيم هذه العلاقات.

أما  أهمية المنهج العلمي عند بافلوف فلم تقتصر إسهاماته على نتائجه التجريبية، بل امتدت إلى منهجه العلمي الصارم، الذي يمكن تلخيصه في:

-      وضع خطة واضحة للبحث.

-      التدرج من البسيط إلى المعقد.

-      الفحص الدقيق (التمحيص).

-      الاعتماد على الحقائق لا الافتراضات.

وقد عبر عن ذلك عملياً بشعاره الشهير: (التمحيص ثم التمحيص)، مؤكداً أن الحقيقة هي الأساس الذي يقوم عليه العلم.

أما العلامة  نوري جعفر ودوره في توسيع مفهوم (علم المنعكسات الشرطية)، لم يقف عند حدود التفسير الفسيولوجي، بل سعى إلى بناء رؤية شاملة تربط بين البيولوجيا والفكر والمجتمع، من خلال المنعكس البيولوجي إلى الوعي الإنسانييرى نوري جعفر أن المنعكسات ليست مجرد استجابات عصبية، بل هي الأساس الذي يبنى عليه الوعي. فالإنسان لا يستجيب فقط، بل(يدرك، يفسر، يعيد تشكيل الواقع). هذا يعني أن الوعي هو نتيجة تطور طويل للمادة، بلغ ذروته في الدماغ البشري.

أما المنعكسات الكلامية، فمن أهم إضافات نوري جعفر لها، إذ اعتبر اللغة تلعب دوراً حاسماً في تشكيل التفكير. فالإنسان يستجيب للكلمات كما يستجيب للمثيرات الحسية، بل إن الكلمات تصبح بدائل رمزية للعالم الخارجيوهنا يظهر الفرق الجوهري بين الإنسان والحيوان، من خلال:

-      الحيوان يستجيب للمثيرات المباشرة.

-      الإنسان يستجيب للرموز، مثل: (الكلمات، المعاني، الأفكار).

أما البُعد الاجتماعي للوعي؛ إذ يربط من خلالها نوري جعفر بين تطور الدماغ وتطور المجتمع، فالسلوك الإنساني لا يفهم بمعزل عن البيئة الاجتماعية. فاللغة، والثقافة، والتجربة التاريخية، كلها تسهم في تشكيل الوعي.

لنكتشف من خلال متابعتنا لذلك؛ من خلال الربط بين الاستجابة إلى السيطرة على الواقع بين بافلوف والعلامة نوري جعفر عن مسار تطوري واضح. عند بافلوف كان السلوك يمثل (الاستجابة للمثيرات)، أما عند نوري جعفر السلوك يمثل (الاستجابة للوعي إضافة إلى القدرة على التغيير). فالإنسان لا يكتفي بالتكيف مع البيئة، بل يعمل على فهم قوانينها وتوظيفها للسيطرة عليها، وهذا هو جوهر التقدم العلمي والحضاري.

إن هذا الفهم المتكامل (للمنعكسات) يقدم لنا العلامة نوري جعفر أساساً مهماً في التربية والتعليم ودلالاتها المعرفية، إذ يؤكد على أهمية التدرج في التعلم، وضرورة الربط بين المعرفة والتجربة من خلال دور اللغة في بناء التفكير، وأهمية البيئة في تشكيل السلوك. كما يبرز دور المنهج العلمي القائم على الفحص والتجريب، لا الحفظ والتلقين.

خاتمة

إن الربط بين إيفان بافلوف والعلامة نوري جعفر ليس مجرد مقارنة بين عالمين، بل هو تتبع لمسار تطور الفكر العلمي نفسه من تفسير للسلوك بوصفه انعكاساً بيولوجياً، إلى فهم الإنسان بوصفه كائناً واعياً يصنع المعنى ويعيد تشكيل العالموهكذا، يتحول (المنعكس الشرطي) من مجرد استجابة عصبية، إلى مفتاح لفهم أعقد ظواهر الوجود هو العقل الإنساني ووعيه.



إيفان بافلوف في فكر نوري جعفر الفسيولوجي والسلوك الإنساني

 

لم يكن اهتمام د. نوري جعفر بعلم النفس والفكر الإنساني منفصلاً عن العلوم الطبيعية، بل انطلق من قناعة راسخة بأن فهم الإنسان لا يتحقق إلا عبر دراسة الأسس الفسيولوجية لنشاطه العقلي. من هنا جاء انفتاحه العميق على منجزات إيفان بافلوف، الذي وضع حجر الأساس لدراسة السلوك على أسس تجريبية دقيقة من خلال نظرية المنعكسات الشرطية.

لقد رأى نوري جعفر في بافلوف ليس مجرد عالم فسيولوجيا، بل نقطة تحول في تاريخ الفكر العلمي، حيث انتقل البحث من التأمل الفلسفي المجرد إلى التحليل المختبري القائم على الملاحظة والتجريب.

في مجال الصراع التاريخي بين العلم واللاعلم، يؤكد نوري جعفر أن تاريخ العلم هو في جوهره تاريخ صراع بين التفسير العلمي والتفسيرات اللاعلمية، وهو صراع لم يكن معرفياً فقط، بل كان مرتبطاً بالبنى الاجتماعية والاقتصادية.

ففي حين بدأ هذا الصراع في علوم بعيدة نسبياً عن الإنسان مثل الفلك والفيزياء، فإنه بلغ ذروته عند دراسة الإنسان نفسه، حيث اصطدمت المناهج العلمية بالتصورات الميتافيزيقية التي كرّست الثنائية بين العقل والجسد، كما نجد عند رينيه ديكارت.

في هذا السياق، يمثل بافلوف لحظة حاسمة، إذ أعاد توحيد الإنسان بوصفه كائناً بيولوجياً متكاملاً، يخضع نشاطه العقلي لقوانين يمكن دراستها علمياً. وقد وجد نوري جعفر في هذا التحول أساساً لبناء علم نفس علمي يتجاوز النزعات التأملية.

أما المنعكسات الشرطية وإعادة تعريف السلوك، يعدّ مفهوم المنعكسات الشرطية حجر الزاوية في فكر بافلوف، وقد أعاد نوري جعفر توظيف هذا المفهوم في تفسير السلوك الإنساني ضمن إطار أوسع.

فالمنعكس الشرطي، في جوهره، هو استجابة مكتسبة تنشأ نتيجة اقتران مثير معين باستجابة بيولوجية. غير أن نوري جعفر لم يتوقف عند هذا التفسير البيولوجي، بل وسّعه ليشمل البعد الاجتماعي، حيث تصبح البيئة الثقافية والاجتماعية مصدراً رئيسياً لتشكيل هذه المنعكسات.

وبهذا المعنى، فإن الأفكار والمعتقدات والسلوكيات ليست معطيات فطرية ثابتة، بل هي نتاج تاريخ من التفاعلات بين الفرد وبيئته. وهذا ما يفسر، في نظره، الفروق الكبيرة بين المجتمعات، رغم التشابه الفسيولوجي بين الأفراد.

فضلاً عن أن المنهج البافلوفي في فكر نوري جعفر لم يقتصر تأثره ببافلوف على الجانب النظري، بل امتد إلى المنهج العلمي ذاته. فقد تبنى جملة من المبادئ التي عدّها أساسية في البحث العلمي، منها:

-      التدرج في البحث: من الظواهر البسيطة إلى المعقدة.

-      التمحيص الدقيق: وعدم الاكتفاء بالملاحظات السطحية.

-      الاعتماد على الحقائق: بوصفها أساسًا لكل بناء نظري.

-      المرونة الفكرية: في تعديل الفرضيات وفق المعطيات الجديدة.

انعكس هذا المنهج في أعماله، حيث سعى إلى تقديم تفسير علمي للفكر الإنساني، قائم على الربط بين النشاط العصبي والبيئة الاجتماعية.

من هنا نجد أن الفسيولوجيا إلى الاجتماع كان هناك توسيع في الدائرة، من أبرز إسهامات نوري جعفر ذلك أنه لم يحصر المنعكسات الشرطية في إطارها البيولوجي، بل نقلها إلى مجال التحليل الاجتماعيفهو يرى أن المجتمع، بما يتضمنه من نظم وقيم وعلاقات، يسهم في تشكيل أنماط الاستجابة لدى الأفراد، بحيث تتحول هذه الأنماط إلى بنى فكرية وسلوكية مستقرة.

بذلك، يصبح الفكر الإنساني انعكاساً معقداً لتفاعل مستمر بين الدماغ والبيئة، وهو ما يفسر التنوع الثقافي والفكري بين المجتمعات.

أما جانب نقد النزعات اللاعلمية فيرى نوري جعفر انطلاقًا من تأثره ببافلوف، وجّه نقداً حاداً للنزعات اللاعلمية في تفسير السلوك، سواء تمثلت في النزعة الميكانيكية السطحية أو في الاتجاهات النفسية التي تهمل الأساس الفسيولوجيكما انتقد محاولات تشويه الفكر البافلوفي، سواء في بعض الاتجاهات السلوكية الغربية المرتبطة بـجون واطسون، أو في النزعات الميكانيكية التي اختزلت الإنسان في استجابات آليةوقد سعى إلى تقديم قراءة متوازنة، تحافظ على الطابع العلمي للنظرية، دون الوقوع في الاختزال أو التبسيط.

في البعد التربوي والمعرفي نجد جعفر يرتبط فكره البافلوفي ارتباطاً وثيقاً بالتربية والتعليم. فهو يرى أن بناء الفكر لا يتم عبر التلقين، بل من خلال تهيئة بيئة غنية بالمثيرات التي تسهم في تشكيل استجابات معرفية سليمة. ومن هنا، دعا جعفر إلى:

-      تطوير المناهج التعليمية على أسس علمية.

-      الاهتمام بالبيئة الاجتماعية للمتعلم.

-      تعزيز التفكير النقدي بدل الحفظ والتلقين.

وبذلك، يصبح التعليم عملية تشكيل واعٍ للمنعكسات الفكرية، لا مجرد نقل للمعلومات.

واعتبر جعفر في منهجه الفكري أن بافلوف نموذجاً للأخلاق العلمية، فلم يكن إعجابه ببافلوف علميًا فقط، بل أخلاقياً أيضاً. فقد رأى فيه نموذجاً للعالم الذي يجمع بين الدقة العلمية والتواضع الفكري، وبين الإصرار على البحث والانفتاح على النقدوقد اعتبر هذه الصفات ضرورية لبناء تقليد علمي حقيقي في العالم العربي، قائم على النزاهة والمثابرة.

خاتمة:

يمكن القول إن نوري جعفر أعاد قراءة بافلوف ضمن مشروع فكري أوسع، يهدف إلى تأسيس علم إنساني يقوم على التكامل بين البيولوجيا والمجتمعفالمنعكسات الشرطية، في هذا الإطار، ليست مجرد ظاهرة فسيولوجية، بل مفتاح لفهم الفكر الإنساني في سياقه التاريخي والاجتماعيوبذلك، أسهم جعفر في نقل الفكر العلمي من مستوى التخصص الضيق إلى أفق أوسع، يربط بين الدماغ والثقافة، وبين الفرد والمجتمع، في محاولة لفهم الإنسان بوصفه كائناً معقداً يتشكل عبر التفاعل المستمر مع العالم من حوله.