كما يحدث بعد كل انتخابات في العراق وبعدانتظار طويل، يتكرر نفس المشهد أي تأخير في انتخاب رئيس الجمهورية، يتبعه تعقيد أكبر في تشكيل الحكومة، وكلاهما وكما تعودنا تأتي بتجاوز على الدستور. وبعد مخاض عسير، تحسم الرئاسة بخلاف كوردي كوردي، لكن عقدة "الكتلة الأكبر" تعود للواجهة من خلال تفسيرات مجلس القضاء الأعلى غير النزيه وغير العادل الذي يبدّل قراءته لهذا المفهوم بين ما قبل الانتخابات وما بعدها، كما حدث في انتخابات 2010 التي دفعت القائمة العراقية ثمنها.
المشكلة في العراق لا تكمن في تكليف كتلة شيعية بتسمية رئيس الوزراء، ولا في طول فترة مفاوضات الاطراف المعنية، بل في الجهة التي تعمل على حل هذه المشكلة. والتي لا تحل عراقيا بل من قبل وتحت تاثير قوى اقليمية ودولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة وايران ..
اليوم نلاحظ غياب قاسم سليماني، الذي كان مشرفا على أدق تفاصيل هذا الملف منذ أول انتخابات حتى التي اشرف عليها قبل رحيله. ليحل محله إسماعيل قاآني، الذي جاءت زيارته إلى بغداد في توقيت دقيق للغاية، وهو يرتبط بملفات عده ابرزها، تشكيل الحكومة و التنسيق مع الفصائل المسلحة في وقت تلقي فيه توترات الحرب الامريكية الاسرائيلية الايرانية ظلالها على المنطقة والعالم.
هذه الزيارة اعتبرها البعض تدخل اجنبي في الشأن الداخلي، فيما اعتبرها آخرون جزء ( غالبتهم من الاحزاب الشيعية وجمهورها) من علاقات طبيعية لا ترقى إلى مستوى التدخل المباشر. وبين هذين الموقفين يضيع النقاش أحيانًا عن جوهر المشكلة الرئيسي. فالدول عادة تتبنى سياسات وفق مصالحها، وإيران ليست استثناء عن غيرها، كما أن الولايات المتحدة وغيرها ليسو استثناء ايضا.
العامل الحاسم في كل دول العالم أو هكذا يجب ان يكون يظل وطنيا أي داخليا، فهل هذا العامل يتوفر عند ساسة العراق ..؟ . القوى السياسية العراقية وفي مقدمتها القوى الشيعية، لم تنجح في إدارة خلافاتها ضمن أطر وطنية مستقلة منذ الأحتلال لليوم، بل لجأت مرارا إلى الاستعانة بدعم خارجي لحسم صراعاتها. وهنا تتحول المشكلة من تدخل خارجي إلى أستعداد كامل لهذا التدخل وتوفير الأرضية الخصبة له.
المضحك المبكي عند ساسة العراق ( أشباه ساسة) هو انهم يرفعون شعار السيادة والتي تبدو أنتقائية ، لينسوها في حضرة الآخرين عند المفاوضات على تشكيل الحكومة. لذلك فإن التذمر من زيارة قاآني رغم قبوله أي التذمر من حيث المبدأ، الا انه بحاجة الى جواب لسؤال اعمق هو: لماذا القرار السياسي في العراق بحاجة إلى وساطات خارجية...؟
الجواب وبكل بساطة هو ان النخب من الذين يقودون العملية السياسية بالعراق، يعتمدون على نظام المحاصصة، وهذا يؤدي الى فشل النخب السياسية الفاعلة من بناء دولة ذات سيادة حقيقية. وفي ظل تحول الدولة الى ساحة لتقاسم النفوذ والغنائم، يصبح التدخل الاجنبي نتيجة طبيعية. لذا فأن المشكلة ليست في زيارة قاآني او غيره من المسؤولين الاجانب للبلاد ، بل في البيئة السياسية الخصبة التي تجعل هذه الزيارات ممكنة ومؤثرة في نفس الوقت، كما سيبقى التذمر موجودا وقائما وستتكرر هذه الزيارات مستقبلا. أن الخلل ليس فيمن يزور بغداد مع ملفات أجندة بلاده لتحقيقها، بل في عجز النخب السياسية العراقية في ادارة شؤون " بلدها"، دون الأستعانة بالأجانب..
العراق في ظل سلطة المحاصصة أشبه بخان جغان
الدنمارك
20/4/2026