عندما يقرأ أحدنا مِمَنْ عاش، ولو نتفاً من حياته، في صفوف الأنصار كتابا، ويتذكر تلك الأيام القاسية، وما رافقها من حرمان دائم، خاصة الحرمان مما له علاقة بالثقافة والكتابة، وصعوبة الحصول على الأوراق والاقلام، ناهيك عن الكتب بانواعها المختلفة، وغير ذلك من أصناف الكتابة والإبداع "للبطرانين"!، والفرص النادرة المتاحة للنشاط الثقافي والمعرفي، لا يستطيع أن يكون هذا القارئ حياديا، وحتما سيكون مجاملا في تقييمه للنص المقروء.

ومع ذلك، فان هذه المجاملات، لا تلغي حقيقة أن ما حققه الانصار الكتّاب من منجزات ابداعية متنوعة، أصبحت اليوم جزءا لا يستهان به من معادلات الثقافة والمعرفة العراقية، على مدى أكثر من ثلاثين عاما، وما سبقها بقليل، وانْ كانت بعض الأسماء قد شقت طريقها قبل هذا الزمن، بحكم عمل بعضهم في المؤسسات الاعلامية للمقاومة الفلسطينية والأحزاب والتيارات التقدمية في لبنان وبلاد الشام، التي الناجين من مقاصل اجهزته القمعية فرصة العمل في العديد من الصحف والمجلات، واصبحوا ضمن اسر تحريرها بأسمائهم الصريحة او الحركية.

وما زلنا نشهد اتساع هذه الظاهرة، وانضمام الكثير من الأسماء الانصارية لشريحة المبدعين ممن قرروا الاستفادة من التراكم المعرفي والثقافي والخبرة ليدونوا جزءا منها من خلال مذكراتهم ونصوصهم، مع احتفاظهم بتواضعهم وصفاتهم المهنية، لـ "يفاجئونا" بأعمالهم الابداعية. وهذا ما فعله النصير (أبو حسنه ـ مازن الحسوني)، في كتابه الذي حمل عنوان: (الخيار الآخر)، والذي اهداني نسخة منه.

بدأت بقراءته على دفعتين ليومين متتاليين، لما فيه من مغريات تشد القارئ لمتابعة الأحداث والفصول التي شكلت "النص الحسوني"، الذي قرر عدم وضع تسمية محددة له، واكتفى بتعبير «الخيار الآخر» كعنوان، مكرسا كل جهده للحدث الأكبر، الذي تتقاطع حوله حزمة من الأحداث المتشابكة والمتسلسلة، لتجعلك تعيش في كنف مشاهد وابعاد درامية متتابعة ومتميزة، محبوكة بطريقة مدهشة تنقلك الى أجواء الرواية، لتعيش زمن قراءتك للنص بكل تفاصيله.

هي ليست رواية عادية بكل المقاييس، فالنص يستند لتجربة واقعية محددة بالزمان والمكان، بدءا من البصرة وما له علاقة بصبا الكاتب (الذي حمل في الرواية اسم باسم)، مرورا بالجامعة، ثم الاختفاء، ومن بعدها مغادرة البلد. ولا اسميه وطنا. بسبب القمع "ليستقر" متحركا مشيا على الاقدام في مثلث الحدود بين العراق وتركيا وسوريا، حاملاً راية الثورة والكفاح.

يلجأ مع رفاقه إلى محطات مختلفة في شعاب وقمم الجبال، أو بيوت سرية مملوءة بالسلاح والذخيرة في القامشلي التي أصبحت محطة تجهيز رئيسية للأنصار، وتفرض على القائمين فيها الالتزام بالسرية التامة في الحركة، وتغيير الأسماء، والامتثال لمستلزمات وضوابط العمل السري. لهذه المحطات حصة كبيرة في الأحداث، خاصة بحكم ارتباطه العاطفي بفتاة كردية (ليلى في الرواية). كان المكان يجمعهما كجيران، كما في أي حارة في أي بلد شرقي، لكنهم هنا، في هذا الركن من القامشلي، جيران عائلة ليلى، وهم أيضا أبناء العراق المتواجدون في المحطة الأنصارية السرية، التي قرر مازن تدوين جزء من صفحاتها بعد أكثر من أربعة عقود، كشاهد وراوٍ. ينطلق في سرده من ركن في ذلك الدار، ليحلق في أجواء ستوكهولم، التي وصلها لاجئا بعد أن فقد مشروع "زواج فاشل" من حبيبته القامشلية في دمشق الرسمية، بسبب اعتراض والدها المؤمن ورفضه قبول الأمر الواقع المفروض عليه من ابنته وجاره النصير العراقي.

لكنه لم يستسلم لبقية فصول العبث بحياة حبيبته. بعد أول اتصال بينهما في أجواء الغربة، بين بلغاريا والسويد، قرر مواجهة الموقف، والغوص في معمعة الوجدان، والخضوع لمؤشر الروح الانسانية المنتفضة والمتمردة، التي لا تستسلم للعواصف والرياح، ولا للمؤامرات والصعوبات، بل تكافح بإصرار لتتمسك بقيمها. ترفض الرضوخ للانكسار وخسارة المعركة والخنوع للاخر، متشبثا ببقايا أمل، بقايا حلول ممكنة، حتى ان تطلبت المغامرة، واليقين اللامحدود من إمكانية الوصول للهدف والانتقال للعيش المشترك.

تتواصل التداعيات، ويستمر سرد الاحداث، لنكتشف ان التغيير مطلوب، والمعادلة موجودة، ويمكن تحقيقها، او تحقيق الجزء الآخر منها، هي في الحسابات الانسانية من المعادلات غير المرئية مقارنة بما كان يهدف لتحقيقه المناضل مازن حسون مع بقية رفاقه من أحلام كبيرة وواسعة لتشمل الجميع. هي أحلام العالم الأفضل الخالي من استغلال الانسان للانسان.

لكنها الدوامة التي طال انتظارها، وبعد زمن تحقيقها، أصبح من الصعب تحولها الى حقيقة بتلك المواصفات كأنها حلم بعيد يأبى الاقتراب بعد الانكسار الكبير في الانفال. ها هم الكثير من رفاقه من ثوار الامس، أصبحوا من المشككين بالحلم الثوري، وراحوا يخلقون لأنفسهم جنات بحجم طموحاتهم الصغيرة وسط معمعة احداث فيها الكثير من التناقضات. استمرار الخراب والدمار، وتواصل الحروب في بلدان الشرق. والعراق نموذجا يدمي العيون في مهاجع اللجوء. ومع تطور الاحداث وزوال الدكتاتورية ينتبه (باسم ـ مازن حسون) لهول الصدمة.. صدمة التغيير.

تبخر النظام بكل عنجهياته، انحل جيشه، انهارت دولة الطغيان والاستبداد، رحل الدكتاتور من الواجهة لينزوي في حفرة الجرذان، وجاء المحتل ليستله من مخبئه بلحية قذرة غير مهذبة. تخلصنا من الطاغية وبقيت الغصة تلازم باسم والعراقيين. لم ينتهي كل شيء، مازال العراق يدار بأيدي قذرة والعناصر الذين تشبعوا بالرذائل. يؤدون دورهم المطلوب كعبيد. يجري المتحكم بهم بالريمونت كونترول من عدة عواصم. تتكالب على بقايا الوطن المستباح. تبعث على المزيد من اليأس والتشرذم.

لكن باسم يدقق النظر، يستكشف الامر. سيخترق هذا البؤس كما كان يخترق الحدود سابقاُ. الفرصة ما زالت قائمة وسط هذا الخراب، وعليه ان يبحث عنها ويكتشفها. الفرصة متاحة لكل من يكافح ويسعى بجد لتحقيق امانيه. فرصة النجاح لتحقيق ولو جزء من الاحلام، أحلام باسم وحبيبته ليلى في هذه الفجوة من الزمن، باتت تشغله. شرع يخطط لتحقيق امنيته الصغيرة التي كبرت امام عينيه. ها هو يعمل في مجال التربية البدنية للأطفال وزوجته وحبيبته ليلى مشرفة اجتماعية. يواجهون معاً كأسرة مشكلة إنجاب وحرمان من الأطفال. تفكيرهما أثمر عن نتيجة، يجب انْ تحل المشكلة بالتبني. هذا هو القرار الصائب. تبني أي طفل مناسب. تلك هي ارادتهم الانسانية المشتركة. سيواجهون مصيراً جديداً. سيضطرون لمغادرة السويد. نحو سوريا والقامشلي أولاً. ومن ثم العبور الى العراق.

في كل خطوة هناك حدث. وفي كل لحظة هناك خطر. عبور الحدود والمافيات والعصابات الاجرامية وما حل من خراب في ارجاء الوطن. ومن ثم المرور من اقصى شمال الوطن في معبر ربيعة نحو البصرة في اقصى الجنوب، مروراً بالموصل وببغداد لمرتين والعودة منها، الأولى وحده والثانية مع زوجته محملين بطفلة من أجواء الناصرية بمساعدة أصدقاء واقرباء. وملابسات ما تبقى من مؤسسات دولة تعاني من مظاهر التفكك والانهيار والانحلال، وما يتطلبه هذا التبني من إجراءات تطال ثلاث دول، لتقرر مصير كائن عراقي تركته امه في أجواء مشفى، ليصبح وديعة عند من حمله ومنحه فرصة للحياة والنجاة والأمل والحب وحتماً الرعاية الافضل.

هي تجربة ستتكرر ثانية في أجواء ستوكهولم بعد سنتين، حينما تُترك طفلة في جامع، لتصبح المتبناة الثانية للعائلة، قبل ما يقارب من عقدين ونصف من الزمن، وجزءا جديدا من جسد عائلة متماسكة ومتآلفة منحتها حق الحياة. ومنحتنا فرصة الاطلاع على تفاصيل الرواية التي ادهشتنا بتفاصيلها وبما فيها من عنفوان انساني نحن بحاجة اليه. رواية اضحكتنا وابكتنا بين حزن وفرح، وجعلتنا نعيش تفاصيلها التي لا تخلو من سخرية في اصعب المواقف، كما هو حال العراقيين وتعاملهم في الحروب والمنعطفات وما واجههم من صعوبات ومحن، وما اكثرها في هذا العمل الروائي المتكامل.

هي رواية قالت الكثير، واختزلت الأكثر. رواية انتصرت للقيم النسانية وروح الانسان. لا تحتاج للتعضيد والتقييم والاعتزاز والمديح فقط، وهي لا تحتاجه في هذا الزمن المر، بل لنتعلم منها الكثير.. الكثير.. من القيم والصفات الإنسانية المفقودة. رواية تحدد حدود العلاقة بين السعادة والفرح، بين اليقين والشك، الرغبة والحق، هو حق الناس كل الناس، بالتمتع بفرص الحياة والرعاية الأفضل، والمستقبل الأفضل، لصنع الانسان الأفضل، لكي يبقى الانسان أفضل رأسمال في هذا الوجود. والأفضل ان نكون جزءا من هذا الوجود الأفضل .. هذا ما قاله مازن الحسوني في خياره الآخر.

النصير الشيوعي العدد 45 السنة الرابعة نيسان 2026