إيران ليست قوة عابرة يمكن إخضاعها بالإكراه، بل هي حضارة ذات تاريخ متواصل يمتد لأكثر من 2500 عام تشكّلت من خلال شعور عميق بالهوية والصمود والفخر. فمن الإرث الفلسفي لابن سينا إلى براعة حافظ الشعرية والمساهمات العلمية للخوارزمي، تُعتبر بصمة إيران على الحضارة العالمية عميقة. فإلى جانب مواردها البشرية والطبيعية الهائلة وموقعها الجيوسياسي المهيمن، يُشكّل هذا التاريخ عقلية وطنية يوازي الإستسلام بالهزيمة الوجودية. والمطالبة بـ”استسلام غير مشروط”، كما فعل ترامب، ليست مجرد تهور دبلوماسي، بل هو أيضاً تجاهل تام للحساسيات الثقافية، فمثل هذا المطلب غير مقبول بتاتاً لدى إيران، ويؤدي إلى المقاومة بدلاً من الإمتثال.
لا يعني هذا أن الحكومة ذات التوجه الإسلامي حكومة خيّرة تستحق كل التقدير. فقد ارتكبت الحكومة انتهاكات جسيمة ضدّ حقوق الإنسان وقمعت شعبها بشكل ممنهج. قتلت الآلاف خلال الإحتجاجات الأخيرة ونفذت حملات اعتقال تعسفية واسعة النطاق، وفرضت قيوداً مشددة على حقوق المرأة. ويتم قمع المعارضة السياسية بشكل روتيني من خلال السجن والتعذيب والإعدام، مما يعكس نمطاً من الوحشية التي ترعاها الدولة والتي لا تزال مستمرة دون هوادة.
التفاوض يتطلب تفاهماً متبادلاً
ومع ذلك، لا يتطلب التفاوض الفعّال الموافقة على سلوك الطرف الآخر أو أيديولوجيته أو موقفه السياسي، ولكنه يتطلب بذل جهد حقيقي، حتى من جانب الخصوم، لفهم أن مواقفهم قد سُمعت وتم أخذها بعين الاعتبار بجدية. فعندما يشعر الطرف المقابل بالتجاهل أو اللامبالاة، يصبح أقل رغبة في الإنخراط، ناهيك عن التوصل إلى حل وسط. لذا، فإن الإنصات ليس تنازلاً، بل ضرورة استراتيجية. فمن خلال الإعتراف بشرعية مصالح الطرف الآخر، حتى مع معارضتها، يُرسي المفاوض الحد الأدنى من الثقة اللازمة لإحراز تقدم في المفاوضات.
انعدام الثقة
ينبثق انعدام ثقة إيران العميق بالولايات المتحدة، لا سيما في عهد ترامب، من نمط من الأفعال التي أدت إلى تآكل المصداقية تدريجياً. وقد عزّز الإنسحاب من خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي) عام 2018 واغتيال الجنرال سليماني في يناير 2020، وشن ضربتين على إيران حتى في خضم المفاوضات في يونيو 2025 وفبراير 2026، اعتقاد طهران بأنه لا يمكن الوثوق بترامب. ولن يتفاوض أي طرف بجدية عندما يتوقع ازدواجية في اللحظات الحاسمة.
علاوة على ذلك، فإن نمط تهديد ترامب بـ”إبادة” إيران وقصفها “حتى تعود إلى العصر الحجري” وتهديداته المتكررة بمهاجمة البنية التحتية المدنية – شبكات الكهرباء والجسور – كوسيلة ضغط للتوصل إلى اتفاق في غضون يوم أو يومين أمرٌ عبثي بالنظر إلى تعقيد المفاوضات وتداعياتها بعيدة المدى. إن هذا الإكراه لا يؤدي إلا إلى تعميق انعدام الثقة وتصلب المقاومة، ويقضي فعلياً على أي فرصة واقعية للتوصل إلى اتفاق دائم.
لا يعكس خطاب ترامب أي قوة، بل يُشير إلى التهوّر والإزدراء، مؤكداً للقيادة الإيرانية أن الولايات المتحدة مستعدة لإلحاق ضرر عشوائي. وهذا يعكس نهجاً معيباً جوهرياً في التفاوض، إذ لا ترى إيران حافزاً يُذكر للتنازل مع طرف تعتبره عدائياً وغير جدير بالثقة، مما يُفاقم انعدام ثقتها المُسبق.
ومع ذلك، لا يُمكن فرض الثقة أو التفاوض عليها، بل يجب رعايتها بعناية على مرّ الزمن. ولكي تُفكر إيران في تقديم تنازلات كبيرة، يجب أن تشعر أولاً بالأمان. يتطلب ذلك ضمانات موثوقة بأن الولايات المتحدة ستمتنع عن العمل العسكري وتمنع الضربات الإسرائيلية. فقط ضمن إطار كهذا من ضبط النفس المضمون يمكن أن تبدأ قاعدة هشة من الثقة في الظهور.
مخاوف إيران بشأن الأمن القومي
لا تسعى إيران إلى امتلاك ترسانة نووية قابلة للإستخدام بقدر ما تسعى إلى القدرة على تجميعها بسرعة، مما يخلق رادعًا قويًا ضد الخصوم. توفر في التفكير الإستراتيجي لطهران القدرة النووية الكامنة – بدلاً من التسلح العلني – ضمانًا ضد الهجمات التي تهدد النظام مع تجنب رد الفعل الدولي الكامل الذي قد يثيره برنامج قنبلة علني.
يستخلص المحلّلون الإيرانيون أيضًا دروسًا من أوكرانيا التي تخلت عن الترسانة النووية السوفيتية التي ورثتها بموجب مذكرة بودابست لعام 1994. ومن المرجح أن روسيا لم تكن لتغزو أوكرانيا لو احتفظت هذه الأخيرة بأسلحتها النووية. تشير إيران كذلك إلى أن ترسانة كيم جونغ أون المتنامية قد حمت نظامه بشكل فعّال من التهديدات الخارجية الخطيرة أو محاولات تغيير النظام. الهند وباكستان، بعد ثلاث حروب تقليدية كبرى، حصرتا مواجهاتهما في مناوشات في ظل الرّدع النووي المتبادل.
تُعزّز هذه التجربة قناعة طهران بأن الخيار النووي الموثوق، والقدرة الواضحة على امتلاكه، هما السبيل الوحيد لمنع عدوان مماثل، وأن التخلي عن هذا الردع يتطلب ضمانات أمنية واسعة النطاق تُشعر إيران بالأمان دون التهديد النووي.
لا يجوز التسرّع في المفاوضات المعقدة
لا يمكن إنجاز المفاوضات الجادة مع إيران، التي تتضمن جوانب متعددة من القضايا النووية والإقليمية والأمنية، في غضون أيام أو أسابيع. استغرق الإتفاق النووي الإيراني (خطة العمل الشاملة المشتركة) قرابة عامين ونصف لإتمامه، وذلك تحديدًا بسبب تعقيده وعمق انعدام الثقة بين الجانبين. أي إدارة تسعى بصدق إلى اتفاق شامل ودائم عليها أن تُدرك أن الوقت ليس ترفًا، بل شرط أساسي للنجاح.
إذا أراد ترامب اتفاقًا موثوقًا، فعليه وقف الأعمال العدائية والحفاظ على وقف إطلاق النار طوال فترة المحادثات، والسماح للثقة بالنمو تدريجيًا مع تقدم المفاوضات. إن محاولة فرض اتفاق في وقت قصير لن تُؤخذ على محمل الجد في طهران. وأي اتفاق يُبرم تحت ضغط وعجلة سيفتقر إلى الشرعية وقوة الإستدامة، ومن شبه المؤكد أنه سينهار عند أول أزمة.
إن التنازلات المطلوبة من كلّ من الولايات المتحدة وإيران صعبة التفاوض بطبيعتها وستستغرق وقتًا، إلا أنها أساسية لأي اتفاق قابل للتطبيق. وللتوصل إلى اتفاق قابل للتطبيق، يتعيّن على إيران والولايات المتحدة اتخاذ سلسلة من الخطوات الملموسة والقابلة للتحقق والتي تعالج بشكل مباشر المخاوف الأمنية الجوهرية لكلا الجانبين.
يجب على إيران إعادة فتح مضيق هرمز فورًا أمام جميع السفن التجارية والعسكرية والإلتزام بحرية الملاحة المستدامة. كما يجب عليها وقف تسليح حزب الله والحوثيين في اليمن والميليشيات المتحالفة معها في العراق، وتقليص برنامجها الصاروخي الباليستي الهجومي تدريجيًا تحت رقابة دقيقة. ويجب على إيران أيضًا التوقف عن تهديد إسرائيل بخطاب الإبادة الجماعية الذي كان ولا يزال مصدرًا لعدائها الشديد وأحد الأسباب الرئيسية لعدم استقرار المنطقة وشحن للخارج مخزونها من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% أو تخفيض تخصيبه.
وفي المقابل، يتعيّن على الولايات المتحدة رفع الحصار العسكري المفروض على مضيق هرمز وتمديد وقف إطلاق النار دون تحديد تاريخ انتهاء. كما يجب على الولايات المتحدة الإعتراف بحق إيران في برنامج نووي مدني مع وضع أشد الضمانات صرامة لضمان عدم تحويله إلى إنتاج سلاح نووي. وينبغي لواشنطن البدء بالإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة ورفع العقوبات تدريجياً وفق خطة مدروسة بعناية مرتبطة بالتحقق من الإمتثال. ويجب على الولايات المتحدة أيضاً التعهد رسمياً بعدم التدخل في الشؤون السياسية الداخلية لإيران ونبذ عمليات تغيير النظام وزعزعة الإستقرار سراً مع الإحتفاظ بحقها في الدفاع عن حقوق الإنسان.
إذا التزم الطرفان التزاماً كاملاً بهذه العملية مع مرور الوقت، فبإمكانهما الإنتقال إلى مناقشات منظمة حول التطبيع التدريجي للعلاقات، بما في ذلك استعادة التمثيل الدبلوماسي وتوسيع العلاقات الإقتصادية والثقافية.
ورغم ادعاء ترامب النصر، فقد برزت إيران كفائز فعلي في مواجهتها مع الولايات المتحدة وإسرائيل اللتين فشلتا في تغيير النظام أو إشعال انتفاضة شعبية. بل إن القيادة الإيرانية اليوم أصغر سناً وأكثر حزماً. لقد كشف الصراع عن حدود القوة العسكرية الأمريكية والإسرائيلية، بينما أظهرت إيران مرونةً وقدرةً على تعطيل تدفقات النفط العالمية عبر مضيق هرمز. وبذلك بيّنت طهران إلى أنها لم تعد طرفًا هامشيًا، بل قوةً يُحسب لها حساب.
ولكبح جماح التطرف الإيراني، يجب على الولايات المتحدة التخلي عن أوهام تغيير النظام والإعتراف بمخاوف طهران الأمنية ومصالحها المشروعة. فالإكراه والمطالبة بالإستسلام لا تؤدي إلا إلى تصلّب المقاومة. ويتطلب الإستقرار تنازلات متبادلة ودبلوماسية مستدامة. وأي شيء أقل من ذلك سيزيد من حدّة المواجهة ويعزّز قدرة إيران على الردع ويدفع المنطقة إلى حافة الهاوية