حصر السلاح بيد الدولة يُعد من أكثر الشعارات تداولا في العراق بعد عام 2003 ، وهو في ظاهره مطلب بديهي يرتبط بفكرة الدولة الحديثة وسيادة القانون واحتكار العنف المشروع . فالدستور العراقي لعام 2005 ينص بوضوح على أن القوات المسلحة والأجهزة الأمنية الرسمية هي الجهة الوحيدة المخولة بحمل السلاح ، وأن أي وجود مسلح خارج هذا الإطار يُعد خرقا للقانون وتقويضا لأسس الدولة . غير أن الانتقال من النص إلى الواقع يكشف عن مشكلة أعمق ، فالشعار لا يكفي وحده ما لم تتوفر الشروط التي تجعله قابلا للتطبيق.
خلال العقدين الماضيين ، تشكل في العراق واقع تتعدد فيه مصادر القوة المسلحة ، بحيث لم يعد من الدقة القول إن السلاح موجود خارج الدولة فقط . فجزء من هذه القوى جرى دمجه بدرجات مختلفة داخل المنظومة السياسية والأمنية ، وأصبح جزءا من توازناتها الداخلية . وبهذا المعنى ، لم تعد الدولة كيانا يحتكر القوة بشكل كامل ، بل تحولت إلى ساحة تتقاطع فيها مراكز نفوذ متعددة ، لكل منها امتدادات سياسية واجتماعية واقتصادية ، وأحيانا إقليمية . هذا الوضع أفرز ما يشبه (الدولة الموازية) ، حيث تمتلك قوى غير رسمية قدرة على التأثير في القرار العام ، بل وأحيانا فرضه من داخل مؤسسات الدولة نفسها.
هذا الوضع أدى إلى إنتاج مفارقة أساسية ، هي أن الدولة مطالبة نظريا بإحتكار السلاح ، لكنها عمليا تعتمد في استقرارها السياسي على توازنات تشمل قوى تمتلك السلاح خارج احتكارها الكامل . وبهذا المعنى ، يصبح السلاح ليس فقط أداة تحدي للدولة ، بل أيضا أحد عناصر استقرارها غير الرسمي.
إن انتشار السلاح بهذا الشكل لا يقتصر على البعد الأمني ، بل يمتد إلى السياسة والمجتمع . فالأحزاب والقوى التي تمتلك أذرعا مسلحة لا تعمل ضمن شروط تنافس سياسي متكافئ ، بل تدخل العملية السياسية وهي تمتلك أدوات ضغط إضافية . وهذا يضعف جوهر الديمقراطية ، ويجعلها أقرب إلى إطار شكلي يدار في ظل اختلال واضح في موازين القوة . وفي الوقت نفسه ، يعزز هذا الواقع الانتماءات الفرعية على حساب الانتماء الوطني ، إذ يجد المواطن نفسه أكثر ارتباطا بهوياته الطائفية أو الحزبية ، في ظل ضعف قدرة الدولة على احتكار الحماية وتوفير الأمان.
كما أن لهذه الظاهرة امتدادات اقتصادية مباشرة ، إذ ترتبط بعض الجماعات المسلحة بشبكات تمويل غير رسمية تقوم على التهريب والجبايات والسيطرة على موارد مختلفة . ومع الوقت ، يتشكل اقتصاد موازي خارج سيطرة الدولة ، يضعف مؤسساتها ويغذي الفساد ويكرس منطق القوة بدل القانون . وفي حالات عديدة ، تتداخل هذه البنى مع شبكات إقليمية ، ما يجعل بعض هذه القوى جزءا من توازنات تتجاوز الإطار الوطني ، وتؤثر في استقلال القرار السياسي.
في هذا السياق ، برز خطاب (المقاومة) بوصفه إطارا يمنح شرعية لوجود السلاح خارج الدولة ، عبر ربطه بمواجهة الاحتلال و داعش . غير أن التجربة العملية أظهرت أن هذا السلاح لم يبق محصورا في هذا الدور ، بل جرى توظيفه أيضا في الصراعات الداخلية ، وأصبح جزءا من أدوات إدارة النفوذ داخل الدولة نفسها . وبذلك تحولت الشعارات الكبرى إلى عنصر داخل مشهد سياسي معقد ، تختلط فيه المواقف المعلنة بحسابات السلطة والتوازنات الداخلية ، من دون أن ينعكس ذلك بالضرورة على تحقيق نتائج حاسمة في الصراع الخارجي.
ضمن هذا الاطار ، يُطرح بشكل متكرر وبإلحاح في الخطاب السياسي العراقي مطلب حصر السلاح بيد الدولة كحل أساسي . وهو طرح صحيح من حيث المبدأ ، لكنه لا يأخذ بنظر الاعتبار طبيعة الواقع القائم . فالسلاح في العراق لم يعد مجرد ظاهرة خارجة عن الدولة يمكن معالجتها بإجراءات أمنية ، بل أصبح جزءا من بنيتها وتوازناتها الداخلية . ومن هنا ، فإن الدعوة إلى إنهاء هذه الظاهرة دون معالجة الأسباب التي أنتجتها واستمرّت في إعادة إنتاجها تبدو غير كافية ، لأنها تفترض وجود حل بسيط لمشكلة معقدة.
السؤال الجوهري هنا لا يتعلق فقط بضرورة حصر السلاح بيد الدولة ، بل بطبيعة الدولة نفسها . أي دولة يُراد لها أن تحتكر هذا السلاح ؟ هل هي الدولة القائمة التي تتشكل من توازن بين قوى متعددة ، بعضها يمتلك السلاح والنفوذ ؟ أم دولة مختلفة ينبغي إعادة بنائها أولا ، بحيث تصبح قادرة فعليا على احتكار القوة دون منافس داخلها ؟ إن تجاهل هذا السؤال يجعل الشعار أقرب إلى التمني منه إلى البرنامج السياسي القابل للتطبيق.
تجربة العراق بعد 2003 توضح أن الجماعات المسلحة لم تنشأ فقط خارج الدولة ، بل في سياق انهيار مؤسساتها ، وتفكك المجتمع ، وتداخل العوامل الطائفية والسياسية والاقتصادية ، إضافة إلى التدخلات الإقليمية والدولية . ومع مرور الوقت ، لم تبق هذه الجماعات في موقع الخارج ، بل جرى دمج بعضها أو تطبيع وجوده داخل النظام السياسي ، مما جعل الحدود بين الدولة وخارجها غير واضحة . وهذا التعقيد يجعل من أي معالجة جزئية أو أمنية فقط معالجة محدودة الأثر.
من هنا ، فإن التعامل مع مسألة السلاح لا يمكن أن يكون معزولا عن مشروع أشمل لإعادة بناء الدولة . فالمطلوب لا يقتصر على إجراءات أمنية ، بل يشمل إعادة بناء المؤسسات على أسس مهنية ، وتفكيك بنية المحاصصة ، وتقليص نفوذ الاقتصاد غير الرسمي ، وتعزيز الهوية الوطنية الجامعة ، والحد من التدخلات الخارجية التي تغذي مراكز القوة غير الرسمية . دون ذلك ، سيبقى الحديث عن حصر السلاح بيد الدولة هدفا نظريا يصطدم بواقع أكثر تعقيدا.
في النهاية ، لا يمكن فهم السلاح بوصفه مجرد أداة منفصلة عن سياقه ، بل هو تعبير عن توازنات القوة داخل المجتمع والدولة . وعندما يكون هذا التوازن مختلا أو غير مستقر ، يتحول السلاح إلى جزء من آليات التنظيم السياسي والاجتماعي ، لا مجرد انحراف عنه . لذلك ، فإن تجاوز هذه الإشكالية لا يتحقق بالشعارات وحدها ، مهما كانت مشروعة ، بل عبر عملية طويلة لإعادة تشكيل الدولة نفسها ، بحيث تصبح قادرة فعليا على احتكار القوة ، لا على التعايش مع تعددها.