في مشهدٍ يكاد يختصر حجم المفارقة التي يعيشها العراق اليوم يقف المواطن مذهولًا أمام قرارات قادة الإطار التنسيقي وهم يختزلون تاريخًا مثقلًا بالمعاناة والتضحيات في اختيارٍ يفتقر إلى أبسط مقومات المسؤولية السياسية.

بلدٌ يمتد تاريخه لآلاف السنين كُتب بدماء الشهداء ونضالات الجماهير يُسلَّم مصيره إلى شخصية لم تُعرف يومًا في ميادين السياسة ولا في دهاليز العمل العام ولا حتى في ساحات التفاعل مع هموم الناس.

لقد خاض العراقيون تجارب قاسية وقدموا ما لا يُحصى من التضحيات وكانوا دائمًا حاضرين في كل استحقاق انتخابي مدفوعين بالأمل في التغيير والإصلاح. لكن ما حدث مؤخرًا يعكس استخفافًا واضحًا بهذه الإرادة الشعبية حين قررت الكتلة الأكبر وفق ما يتيحه الدستور تقديم مرشح لرئاسة الوزراء لا يمتلك تاريخًا سياسيًا أو إداريًا يُذكر وكأن البلاد ساحة تجارب لا وطنًا يئن تحت ثقل الأزمات.

الأدهى من ذلك أن هذا الاختيار جاء بعد مخاض طويل ومساومات سياسية مرهقة ما رفع سقف توقعات الناس بأن يكون المرشح على قدر المرحلة وتعقيداتها.

لكن المفاجأة كانت صادمة شخصية من خارج دائرة الصراع السياسي لم تختبرها التحديات ولم تتشكل رؤيتها وسط العواصف التي صقلت تجارب الآخرين. وكأن معيار الاختيار انحدر إلى مستوى ضيق لا يتجاوز اعتبارات الربح والخسارة في عالم التجارة متجاهلًا أن إدارة دولة ليست صفقة بل مسؤولية تاريخية.

إن هذا النهج يعكس حالة من الانفصال بين قادة الإطار التنسيقي والواقع الشعبي. فبدل أن يكونوا معبرين عن طموحات الناس وآلامهم بدا أنهم أسرى حسابات ضيقة تحكمها الأنانية والغرور والرغبة في الاحتفاظ بالنفوذ حتى وإن كان الثمن هو إضعاف ثقة المواطن بالعملية السياسية برمتها.

ما جرى ليس مجرد خطأ في التقدير بل إهدارٌ متعمد لرمزية التضحيات التي قدمها العراقيون عبر عقود.

حين يُسلَّم القرار إلى من لا يحمل ذاكرة الصراع ولا يفهم عمق المعاناة، فإننا لا نخاطر بالمستقبل فقط بل نسيء إلى الماضي أيضًا.

فالتاريخ لا يُختزل في أوراق تفاوض ولا تُصان كرامة الشهداء بقرارات مرتجلة.

إن العراق اليوم بحاجة إلى قيادة تنبع من صميم تجربته تفهم تعقيداته، وتحترم تاريخه وتشعر بثقل المسؤولية تجاه شعبه. أما الاستمرار في هذا النهج فلن يؤدي إلا إلى مزيد من التآكل في بنية الدولة وتعميق الفجوة بين الحاكم والمحكوم وربما دفع البلاد إلى منزلقات أكثر خطورة.

في النهاية يبقى السؤال المؤلم إلى متى سيبقى تاريخ العراق وتضحيات أبنائه رهينة قرارات لا ترتقي إلى حجم هذا الوطن؟.