في مقالنا السابق، «الجين الاناني وصراع البقاء: قراءة خوارزمية في الصراع الامريكي الايراني» (1)، وضعنا الحجر الاساس لفهم السياسة كنشاط حيوي (Bio-political) محكوم بشفرات بقاء عميقة تتجاوز التبريرات الاخلاقية الهشة. لقد اكدنا بان الدول ليست مؤسسات قانونية فحسب، بل هي "الات بقاء" تسعى للحفاظ على استقرارها الهيكلي ضد الفوضى، وتخوض صراعا ديالكتيكيا لتطوير "ميماتها" السياسية. والميمة هي "الوحدة الأساسية للنقل الثقافي" او وحدة المحاكاة. تماما كما ان "الجين" هو وحدة المعلومات الوراثية التي تنتقل عبر الأجيال بيولوجيا، فأن "الميمة" هي وحدة المعلومات الثقافية (افكار، شعارات، طقوس، قيم) التي تنتقل من عقل الى اخر عبر المحاكاة والتعلم.
اليوم، ناخذ هذا التحليل خطوة ابعد نحو زاوية تطورية وديالكتيكية اكثر برودة وحدة، لنفسر التحولات الجيوسياسية المتسارعة في عام 2026. هذه المقالة هي محاولة لقراءة السلوك الامريكي ليس بوصفه "سياسة خارجية"، بل بوصفه "طفرة جينية" في هيكل النظام العالمي، حيث تحول "المفترس الاعلى» (top predator)من الاعتماد الطفيلي على طاقة الاخرين الى مرحلة الهيمنة الطاقية الكاملة. اننا بصدد تحليل كيف يمارس "الجين الاناني» (Selfish gene) الامريكي عملية "عزل كيميائي" و"انهاك ديالكتيكي" لخصومه، محولا الازمات من عوائق الى محركات نمو، في تطبيق صريح لمنطق السيادة الغاشمة الذي لا يعترف الا بـ "خوارزمية القوة».
كيف يعيد "الجين الاناني" الامريكي صياغة كوكب الارض؟ ان قراءة المشهد الجيوسياسي المعاصر تتطلب التخلي عن العاطفة السياسية الساذجة والتعامل مع الدول ككائنات حيوية تخضع لمنطق "الجين الاناني" الذي ناقشناه سابقا، فالدول لا تتحرك وفق مبادئ، بل وفق شيفرة برمجية تهدف الى البقاء والسيادة بأقل تكلفة طاقية ممكنة. ما يشهده العالم اليوم ليس "فوضى" يمارسها ترامب، بل هو عملية هندسة دقيقة لبيئة الانتقاء الطبيعي(Natural selection) ، حيث تمارس الولايات المتحدة دور "المفترس الاعلى" الذي يعيد صياغة السلسلة الغذائية الدولية عبر "ديالكتيك" القوة والاحتواء.
تبرز عبقرية التطور الامريكي في الانتقال من مرحلة "المستهلك الطفيلي" للطاقة الى مرحلة "المنتج المهيمن". ان تحول الولايات المتحدة من منتج للنفط والغاز الى مصدر ليس مجرد نمو اقتصادي، بل هو طفرة جينية في هيكل النظام العالمي، فقد تم فك الارتباط العضوي بين الرخاء الامريكي واستقرار مناطق النزاع. اليوم، اي اشتعال في الشرق الاوسط يرفع اسعار النفط، وهو ما يصب في مصلحة "الجين الاقتصادي" الامريكي، بينما يمثل سما زعافا لـ "خلايا" الانتاج الصيني. انها حرب استنزاف طاقية وضعت قوى "البريكس" في مأزق تطوري، وجعلت اي محاولة لخلق عملة بديلة تولد ميتة في رحم الجغرافيا السياسية.
اما الصراع مع الصين، فيتم تفكيكه عبر "عزل كيميائي" لمصانعها من خلال التعريفات الجمركية التي تعمل كـ "مضادات حيوية" تقتل قدرة التنين على التوسع. الارقام في عام 2026 تكشف عن حيوية الجهاز التنفسي للدولة القائدة، فاضافة مئات الالاف من الوظائف مؤخرا ليست مجرد احصائية، بل هي دليل على كفاءة "الخوارزمية الامريكية" في امتصاص الموارد. وفي المقابل، يجد الفيدرالي الامريكي نفسه في وضع فريد، حيث يتم الاعتماد على قوة الدولار والذهب كادوات جذب لرؤوس الاموال الهاربة من مناطق الفوضى، مما يؤدي بالضرورة الى انكماش الدين العام عبر امتصاص الفوائد العالمية نحو "المركز الحيوي».
وبالنظر الى الشرق الاوسط، يظهر بوضوح انه محكوم بالبقاء في حالة "عدم استقرار مستدام". هذه المنطقة تعمل كـ "مختبر تطوري" للستراتيجيات والاسلحة المتقدمة. الحروب القادمة ليست صدفة، بل هي جزء من دورة حياة النظام العالمي الذي يتطلب بقاء الاطراف في حالة انهاك دائمة لضمان مركزية القطب الواحد.
لكي نتصور حجم هذا التحول التطوري المحتمل، يمكن تتبع ستة اتجاهات رئيسية بين عامي 2020 و2026 وفق بعض التقديرات غير المؤكدة التي وضعها الذكاء الاصطناعي الصيني "ديب سيك": اولا، تحولت اميركا من مستورد الى مصدر صاف للنفط بقفزة كبيرة. ثانيا، زادت الرسوم الجمركية على السلع الصينية الاستراتيجية بشكل ملحوظ ثالثا، اضاف قطاع الطاقة الاميركي مئات الالاف من الوظائف بعد سنوات من الركود. رابعا، شهدت سندات الخزانة الاميركية تدفقا هائلا لرؤوس الاموال. خامسا، ارتفعت تكاليف الشحن بين اسيا واوروبا بشكل حاد بسبب تغير مسارات الملاحة. سادسا، تباطأ نمو الاقتصاد الصيني بشكل هيكلي وفق بعض تقديرات 2026. هذه المؤشرات الستة، اذا صحت التقديرات، قد توحي مجتمعة بما يمكن تسميته "بصمة الخوارزمية الاميركية" في اعادة تشكيل بيئة الانتقاء الطبيعي العالمية، لكن يبقى ذلك في اطار الاحتمالات.
الخلاصة، اننا لا نشهد نهاية التاريخ، بل نشهد بلوغ "الجين الاناني" الامريكي قمة نضجه التطوري. ان ما طرحناه في المقالة السابقة حول "انانية الانظمة" يتجسد اليوم في اقصى صوره، حيث يتم تطويع الازمات لتكون هي المحرك الاساسي للاقتصاد، تاركا للاخرين خيارا واحدا: اما التكيف المر مع الخوارزمية المهيمنة، او الاندثار خلف اسوار التعريفات الجمركية والحروب الوكيلة.
(1) الجين الاناني وصراع البقاء: قراءة خوارزمية في الصراع الامريكي الايراني. https://tareekthakafi.com/?p=1934