في فيلم " عريس من جهة امنية" للفنان عادل امام، لفت نظري حوار بينه وممثلة سألته عن أحد التماثيل المعروضة في بازار للتحف، فأجاب: أن التمثال هو للأله ( بِسْ) وهو اله المسخرة عند المصريين القدماء. وعلى خلاف المصريين لم يكن لدى العراقيين القدماء اله مسخرة، لكن كان هناك ما يمكن ان نطلق عليه اسم ادب السخرية، كما بينت بعض النصوص المسمارية التي تناولت الهجاء لشخصيات كهنوتية وسياسية، كما وجدت من خلال التنقيبات الأثرية اختام اسطوانية تسخر كذلك من كهنة وملوك.
بعد مرور نحو ثلاثة آلاف عام على أنهيار حضارة العراق القديمة بإنهيار بابل عام 539 ق.م على يد كوروش الكبير، بدأت حضارة جديدة في بلاد وادي الرافدين، حضارة جاء بها محتل لا يتجاوز عمر دولته الحديثة بضعة قرون، فبدأت عهدها للأسف الشديد حضارة المسخرة. فالمسخرة اليوم هي جزء من الثقافة العراقية الهزيلة، وجزء اصيل من السياسة العراقية الفاسدة، وركن مهم من اركان الكهنة وهم يسوقون القطيع الى حيث ضياعه. التهريج اليوم نراه في الوزارات والبرلمان ودوائر الدولة ، نراه في الفضائيات والشوارع والاسواق، نراه في المستشفيات حيث طوابير المرضى والخالية من الأدوية، نحضرها في المدارس المكتظة بالطلبة، أو تلك الآيلة للسقوط. المهزلة نراها في الجامعات الاهلية التي تخرج اميين، نراها في طوابير من البشر المتعبين وهم ينتظرون في البرد القارس او الحر اللاهب، اسطوانة غاز في بلد يطفو على النفط والغاز.
الكوميديا السوداء، نراها في انتخابات لا تكتفي بعدم تغيير حال الناس، بل تكرّس ضياعهم وبلدهم. نرى العبث في تكرار مشهد سياسي يقوده ساسة فشلوا بإمتياز منذ اكثر من عقدين، واعترفوا بفشلهم، لكن الجمهور العبثي يرفض اعترافهم ويعتبرهم "تاج راس" وينتخبهم ليستمر هو بعبثه وهم بمسخرتهم. الأبتذال نراه بعبارة ( مطلوب عشائريا) على جدران بيوت الناس، بعد أن دخل القانون غرفة العناية المركزة، ليخرج منه معافى في مضيف عشائري. الهزل والضحك يظهران في خطاب ديني يقدّس الفقر، بينما يتعامل معه الجائعون بوصفه فضيلة لا مأساة، فترى القوم يقدسون فقرهم بالصلاة على محمد وآل محمد.. !
المسخرة تتكرر في فاشينيست تلطم عسكريا بنعالها، لأنها تحمل تفويضا خضراويا يسمح لها بذلك. البؤس يتجلى في وجوه الموظفين الذين يستلمون رواتبهم كل 45 يوما، دون أن يعترضوا خوفا من محاسبتهم، والبؤس الأكبر تراه عند موظفي العقود الذين لا يستلمون رواتبهم لاشهر، وهم صامتون كابي الهول! أما البؤس الحقيقي فيتجلى على وجوه البسطاء والكادحين والعاطلين عن العمل، وعند الاطفال المتسربين من المدارس ويعملون عند تقاطعات المرور. الأبتذال باقبح صوره يظهر عندما يناشد الناس الفقراء ضمير من لا ضمائر لهم، فتعوض المطلب بمناشدة، وهذا ينسف واجبات الذين لا ضمائر لهم أي اركان الدولة من جهة، و يدل على ذل المناشدين من جهة ثانية.
المسخرة والكوميديا السوداء والعبث والهزل، نراها في من يعتقد أن صناديق الاقتراع التي يحمل من يسخر بالناس منذ اكثر من عقدين مفاتيحها، من انها الحل الامثل لانقاذ مغارتنا من قبضة علي بابا والـ 375 حرامي.
لم يكن للعراقيين القدماء إله للمسخرة، لكن أحفادهم بعد آلاف السنين اخترعوا آلهة للمسخرة. وهذا التحول يبدو كأخطر ما عرفته بلادنا، التي كانت يوما ما من أوائل من اخترع العجلة والكلمة ونظموا الري. لم تعد المسخرة في العراق اليوم حيث نظام المحاصصة الفاسد بحاجة إلى تمثال، لأنها صارت تمارس كحياة نعيشها، بلا رمز، بلا اسم، وبلا حاجة حتى إلى تفسير.
إن خطورة هذا النمط من المسخرة التي تكرسها السلطة لا تكمن في مظاهره التي نعيشها ونراها اليوم فقط، بل في قابليته للاستمرار دون مقاومة من الناس، حتى تصبح جزءا من الحياة اليومية. وعند هذه النقطة تحديدا، لا يعود السؤال عن أسباب المسخرة فقط، بل عن آليات تحولها إلى حالة طبيعية تحتاجها السلطة لتستمر في حكمها..
بالعودة الى بداية المقالة، فأن المغتصب وليس العريس بالعراق اليوم، قادم من جهة أمنية.
الدنمارك
23/5/2026