ومما يبعث على بالغ الأسف أن حجم انتهاكات حقوق الإنسان حول العالم، ووتيرتها، وجرأتها الفاضحة، لم تتراجع، بل ازدادت اتساعًا وعمقًا، بما يدفع إلى التساؤل عمّا إذا كانت فكرة “الحضارة” نفسها ليست سوى غطاء رقيق يخفي ما تحته. فنحن نفخر بالثقافة، والقانون، والتقدم الأخلاقي، غير أن تحت هذا السطح الرقيق تستمر وحشية لا تفارقنا. ويبدو، يومًا بعد يوم، أننا لم نغادر تلك الحالة، بل أتقنّا فقط إخفاءها.
في كثير من البلدان، أصبحت انتهاكات حقوق الإنسان الاستجابة المعتادة للصراع، وحلّت محل المقاربات السلمية والمصالحة. ويُقاس هذا الفشل بالموت، واليأس، وفقدان الأمل الذي يعيشه مئات الملايين. وهناك دول كثيرة حول العالم ارتكبت انتهاكات واسعة النطاق وموثقة ضد شعوبها أو جماعاتها الأصلية، وكذلك ضد مدنيين في دول مجاورة وجدوا أنفسهم عالقين في مناطق نزاع بين أطراف متحاربة، ومن بينها: ميانمار، وكوريا الشمالية، وإريتريا، وإيران، وتركيا، والسعودية، ومصر، وفنزويلا، ونيكاراغوا، والفلبين، ونيجيريا، وغيرها كثير.
اخترت في هذه المقالة سبع دول لأبيّن أن هذه الانتهاكات تتجاوز حدود المناطق، والأعراق، والأديان، والثقافات، وأنظمة الحكم، من الديمقراطية إلى الاستبداد. وكما حذّر توماس هوبز، فإن الحياة البشرية، من دون قيود، تصبح “منعزلة، وفقيرة، وقاسية، ووحشية، وقصيرة.”
في أفغانستان، يستند حكم طالبان إلى حد كبير إلى تفسيرها لأحكام الشريعة الإسلامية. وقد رسّخت الحركة نظام فصل قائم على النوع الاجتماعي؛ إذ تُمحى النساء والفتيات بصورة ممنهجة من الحياة العامة، ويُحرمن من التعليم، ويُجرّدن من استقلاليتهن، ويُختزل وجودهن إلى مجرد ظل لما كان يمكن أن يصبحن عليه كبشر. وقد جرى عمدًا إخماد جيلٍ كامل من الفتيات، جيل كان يمكن أن يقود، ويعلّم، ويشفي، ويحوّل مجتمعه. وكما رأت سيمون دي بوفوار، فإن القمع يعيد إنتاج نفسه حين يحرم المجتمع الأفراد من القدرة على تجاوز الأدوار المفروضة عليهم. وفي أفغانستان، بلغ إنكار حقوق النساء والفتيات حدًا مطلقًا. والخسارة هنا عصيّة على القياس؛ فهي ليست خسارة شخصية فحسب، بل خسارة وطنية، بل وحضارية أيضًا.
في غزة، ما تكشّف نتيجة الحرب بين إسرائيل وحماس يستعصي على الاستيعاب. أحياءٌ كاملة سوّتها القوات الإسرائيلية بالأرض، وأطفال يتضورون جوعًا، لا على سبيل المجاز، بل حرفيًا، يبحثون عن فتاتٍ يبقيهم أحياء ليومٍ آخر. كثيرون لم يعودوا يبكون؛ فحتى الحزن يحتاج إلى طاقة لم تعد لديهم. لقد قضى عشرات الآلاف، بالقنابل، وبالرصاص، وبالحرمان من مقومات الحياة. وجرّد النزوح العائلات من كرامتها، واستقرارها، وأملها. وتتحمل النساء والأطفال العبء الأثقل، عالقين في دائرة من الرُعب لا ملاذ منها. هذه ليست مجرد أزمة إنسانية؛ إنها انهيار أخلاقي لحكومة إسرائيلية بقيادة نتنياهو، يُفترض أنها ديمقراطية، انهيار نشهده لحظةً بلحظة، ويجري تطبيعه بالتكرار.
في أوكرانيا، يكشف السلوك الروسي بُعدًا آخر من أبعاد انتهاك حقوق الإنسان: المحو المحسوب للهوية. فقد اختطفت القوات الروسية مئات الآلاف من الأطفال الأوكرانيين، وفصلتهم عن عائلاتهم، وأخضعتهم لعمليات تلقين أيديولوجي. ويُجبر هؤلاء الأطفال على التخلي عن لغتهم، وثقافتهم، بل عن إحساسهم الأعمق بذواتهم. ويُترك الآباء والأمهات في حالة دائمة من العذاب، لا يعرفون إن كانوا سيرون أطفالهم مرة أخرى. وقد كتبت حنّة آرنت عن “تفاهة الشر”، أي كيف تصبح القسوة الممنهجة أمرًا عاديًا من خلال البيروقراطية والطاعة العمياء للسلطوية. وما نراه هنا هو ذلك بالضبط: جهد منظم وشنيع لمحو مستقبل شعب عبر إعادة تشكيل أطفاله.
تُعدّ السودان واحدة من أفدح الكوارث الإنسانية في عصرنا. فقد خلّف الصراع العنيف على السلطة بين قائدين عسكريين ملايين البشر في مواجهة جوع حاد ونقص خطير في الغذاء. ويتضور الأطفال جوعًا بأعداد صادمة، بينما تجندهم الجماعات المسلحة للقتال، فتسلبهم براءتهم ومستقبلهم معًا. وتُحتجز النساء والأطفال لشهور، ويتعرضون لاغتصاب وحشي يُستخدم سلاحًا في الحرب، وسط معاناة تفوق التصوّر. هذا دمار ممنهج. وكما يبيّن فرانز فانون على نحو مؤثر أن العنف حين يطول يشوّه الضحية والجلاد معًا، ويخلق داخل المجتمع دورات مأساوية تعيد إنتاج نفسها.
في اليمن، خلقت حربٌ طال أمدها بين سلطات متنافسة كابوسًا معيشًا. فالحوثيون يحظون بدعم واسع من إيران، سواء بالسلاح أو التمويل، في حين حظيت الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا بدعم تحالف تقوده السعودية والإمارات، وهي حكومة شهد عهدها انهيار الخدمات الأساسية واتساع المعاناة. ويتحمل الأطفال والنساء العبء الأثقل لهذه الأزمة؛ إذ بات سوء التغذية، والمرض، والنزوح، تُحدد تفاصيل حياتهم اليومية. أما استمرار المجتمع الدولي في تسليح الطرفين، فيكشف عن لامبالاة عالمية تجاه المعاناة الإنسانية، لا تقل إثارة للقلق عن الصراع نفسه.
تعامل الصين مع أقلية الإيغور يعكس شكلًا مروّعًا من أشكال القمع الحديث ضد الأقليات الدينية والعرقية. فقد أصبحت المراقبة، والاحتجاز، وفرض الاندماج القسري، والمحو الثقافي، أدوات من أدوات سياسة الدولة. ولا يُستهدف الأفراد بسبب أفعالهم، بل بسبب هويتهم، بسبب من يكونون. وقد حذّر ميشيل فوكو من قدرة السلطة على التغلغل في كل جانب من جوانب الحياة، فتشكّل السلوك، والفكر، والوجود نفسه. وهذا ما تجسّد في الصين بدقة مثيرة للقلق.
في الولايات المتحدة، وهي دولة ديمقراطية تعلن التزامها بالحرية والعدالة، تظهر أنماط مقلقة في طريقة تعاملها مع المهاجرين غير المسجلين قانونيًا. فاحتجازهم في مرافق مكتظة، وتقييد قدرتهم على اللجوء إلى القضاء والدفاع عن حقوقهم، وفصل أفراد العائلات بعضهم عن بعض، كلها ممارسات تعكس نظامًا يقدّم تطبيق قوانين الهجرة على الاعتبارات الإنسانية.
وحين تُنتقص ضمانات المحاكمة والإجراءات القانونية العادلة، ويُعامَل الأفراد بوصفهم أقل شأنًا من البشر، فإن ذلك ينذر بتآكل خطير في المبادئ الديمقراطية. وكما حذّر ألكسيس دو توكفيل: “لا يمكن ترسيخ الحرية من دون أخلاق”.
عالقون في دوامات التجريد من الإنسانية
كيف يمكن، إذن، تفسير هذا الإخفاق المتفشي؟ ولماذا نبقى، رغم قرون من التأمل الفلسفي، والتطور القانوني، والخطاب الأخلاقي، عالقين في دوامات يُجرَّد فيها الإنسان من إنسانيته؟
يكمن جزء من الإجابة في الطبيعة البشرية نفسها. فقد رأى مفكرون، من هوبز إلى فرويد، أن النزعة إلى العدوان والمصلحة الذاتية متجذرتان في أعماقنا. ومن منظور فرويد، ليست الحضارة سوى بناء هش، يكبح دوافعنا التدميرية لكنه لا يقضي عليها. وحين تضعف المؤسسات وتتراجع المساءلة، تنفلت هذه الدوافع من جديد بسهولة مقلقة.
أما إيمانويل كانط، فقد أصرّ على أن الإنسان يمتلك القدرة على الاحتكام إلى العقل الأخلاقي، وعلى إدراك الكرامة الأصيلة الكامنة في الآخرين. ومن ثم، فإن استمرار الفظائع لا يعكس غياب القدرة الأخلاقية، بل إخفاقنا في الاحتكام إليها. فكثيرًا ما تطغى المصالح السياسية، والخوف، والعصبيات، واللامبالاة على المسؤولية الأخلاقية.
وللأسف، يفاقم تقاعس المجتمع الدولي المشكلة. فكثيرًا ما تقوّض الحسابات الجيوسياسية الآليات المصممة لمنع انتهاكات حقوق الإنسان والتصدي لها. وتقدّم الدول القوة على المبدأ، والاستقرار على العدالة. والنتيجة نظام لا يتحرك إلا بعد فوات الأوان، أو يستجيب بضعف، أو لا يستجيب أصلًا.
فما العلاج إذن؟
ليس من السهل تنفيذ أي من الحلول المقترحة الآتية، بسبب الخلافات السياسية الداخلية، وتباين المصالح الجيوستراتيجية بين الدول، والتنافسات العالمية. فهي تتطلب شجاعة، وموارد، والتزامًا طويل الأمد. كما تقتضي من الأفراد والمؤسسات، الوطنية منها والدولية، أن يواجهوا حقائق غير مريحة، وأن يتخذوا خيارات صعبة.
أولًا، يجب أن تصبح المساءلة أمرًا غير قابل للتفاوض. ويجب تطبيق القانون الدولي على الجميع دون انتقائية. ثانيًا، ينبغي تعزيز المجتمع المدني ووسائل الإعلام المستقلة، وألا تخضع لإملاءات السلطات، لما تؤديه من دور أساسي في مراقبة السلطة وكبح تجاوزاتها. ثالثًا، يجب ألا يقتصر التعليم في المدارس والجامعات على نقل المعرفة، بل ينبغي أن يرسّخ المسؤولية الأخلاقية، وينمّي التعاطف إلى جانب التفكير النقدي. وأخيرًا، يجب أن ينتقل التعاون الدولي، داخل الأمم المتحدة وخارجها، بما يشمل الاتحاد الأوروبي، وجامعة الدول العربية، والاتحاد الإفريقي، وغيرها، من الخطاب إلى الفعل، لا سيما في معالجة الأسباب الجذرية، مثل التفاوت الاجتماعي والاقتصادي، والاستبداد، وتغيّر المناخ.
نقف اليوم عند مفترق حاسم في تاريخ البشرية. فالمعاناة التي نشهدها ليست عارضة ولا محتومة، بل هي النتيجة المباشرة لخيارات اتخذناها، ولقرارات أحجمنا عن اتخاذها. وإذا واصلت البشرية غضّ الطرف، وتسويغ ما يحدث، والمماطلة في التحرك، فلن يستمر هذا الانهيار الأخلاقي فحسب، بل سيتفاقم. ومع ذلك، إذا بقي فينا ولو قدر ضئيل من الضمير، أو الشجاعة، أو الإرادة الجماعية، فلا يزال من الممكن تغيير المسار.
لم يعد السؤال ما إذا كنا ندرك أزمة انتهاكات حقوق الإنسان المتفشية. بل أصبح السؤال ما إذا كنا مستعدين للتحرك، قبل أن نفقد ما تبقى من إنسانيتنا إلى غير رجعة.