أن كل فضيحة فساد جديدة تظهر الى العلن كما فضيحة الجميلي الأخيرة، يعني استمرار الأزمة التي تعيشها بلادنا، والأزمة بالحقيقة ليست أزمة أفراد لنتمكن من معالجتها،  وحتى هذه صعبة ان لم تكن مستحيلة في ظل استمرار نظام المحاصصة، ، بل أزمة نظام سياسي قام بالكامل على مبدأ المحاصصة وتقاسم النفوذ، ليستمر النزيف العراقي وفشل قوى السلطة من بناء دولة حقيقية، توفر الأمن والخدمات وفرص العمل والعدالة الاجتماعية، في بلد يمتلك ثروات هائلة وامكانيات بشرية كبيرة.

بعد كل دورة انتخابية تتبدل الوجوه الثانوية وتبقى تلك الماسكة بحبال اللعبة ثابتة على المسرح لتحرك الاراجوزات الجدد، وبين اللاعبين الاساسيين والجدد يبقى المواطن العراقي يعيش ازمات تستنسخ باستمرار نتيجة ضعف الدولة ومؤسساتها، وتبقى البلاد رهينة أحزاب طائفية قومية فشلت في كل شيء، الا في طريقة تهبها للمال العام وأثراءها على حساب الملايين من ابناء شعبنا.  

أنّ الكشف عن اموال ضخمة جمعت بطرق غير مشروعة من قبل عدنان الجميلي وكيل وزير النفط، هي نقطة في بحر من اموال جمعت بطرق غير مشروعة من قبل سياسيين كبار ومن مختلف الطوائف والقوميات والاديان. وهذا سبب  يضاف الى اسباب اخرى جعلت بلدا من اغنى بلدان المنطقة  يعيش حالة من الخراب المدمر، ليعاني شعبه الفقر والبطالة ونقص الخدمات على الرغم من الميزانيات الضخمة  والتي أهدرت خلال فترة ما بعد الأحتلال. هذا الخراب وهذا الفساد ترجمة للمحاصصة السياسية التي حولت الدولة الى ساحات نفوذ وصراع من اجل المغانم، لا من اجل التنمية وبناء الانسان والوطن.

في ظل هذا الواقع الفاسد والمأزوم فأن العراق بحاجة إلى صوت آخر يعتلي المسرح السياسي فيه،  صوت يأتي من الجمهور الذي يبحث عن ممثلين جدد، لا ممثلين يمثلون الادوار القديمة نفسها وبنفس السيناريو الكارثي. صوت لجماهير تطالب بوطن يليق بتضحياتها لتعيش فيه بكرامة.

وهنا تبرز مسؤولية القوى العلمانية والمدنية والديمقراطية في تجاوز خلافاتها الثانوية والاتفاق على الحد الأدنى من القواسم المشتركة التي تسمح لها بتشكيل قوة اجتماعية وسياسية مؤثرة. فالتحديات التي تواجه شعبنا وبلادنا أكبر من أن يتمكن حزب لوحده من تحمل مهامها والنجاح بها، كما أن استمرار التشتت وعدم الأتفاق بين هذه القوى هو في صالح قوى المحاصصة المستفيدة من الوضع الحالي واستمراره.  وللحزب الشيوعي العراقي  أهمية كبيرة في هذا التشكيل بحكم تاريخه النضالي الطويل وحضوره الفاعل في مختلف محطات شعبنا الوطنية.

إن الحزب القادر على لعب هذا الدور هو الحزب الذي يجدد سياساته وأدوات عمله، ويرسخ حضوره بين الجماهير، وينشط بين العمال والفلاحين والكادحين والكسبة والعاطلين عن العمل والشباب والنساء والطلبة والفئات الاجتماعية المتضررة من الفساد،  وهو الحزب القادر على تحويل مطالب الناس إلى برامج سياسية قابلة للتحقيق. وهذا يحتاج الى الابتعاد عن العقلية النخبوية، وهذا الامر أي العقلية النخبوية لا يشمل الحزب الشيوعي العراقي فقط، بل كل القوى العلمانية والمدنية الديموقراطية التي عليها العمل بجد لبناء تحالف واسع من اجل التغيير المنشود وبناء عراق جديد.

إن  قضايا الفساد الكبرى اليوم ومنها قضية الجميلي لا يجب النظر اليها بغضب واستنكار فقك، بل يجب أن تكون مراجعة للعملية السياسية برمتها. فنحن اليوم لا نحتاج الى محاسبة الفاسدين ومحاكمتهم واسترداد الاموال المسروقة فقط، بل الى بناء نظام سياسي جديد بعيد عن المحاصصة ليمنع إعادة إنتاج الفساد

لقد أثبتت تجربة سنوات ما بعد الاحتلال لليوم،  أن نظام المحاصصة غير قادر على بناء دولة قوية وعادلة وذات مؤسسات فاعلة، وأن الإصلاحات الجزئية والترقيعية ليست كافية لمعالجة أزمات بهذا العمق وبهذه الحدة. وعليه فإن الحاجة أصبحت ضرورية للعمل على  قيام مشروع وطني ديمقراطي  يعمل على تلبية مصالح الناس لا مصالح الأحزاب، والى الكفاءة والنزاهة والوطنية الحقة لا إلى الولاءات والمحسوبيات التي دمرت وتدمر البلاد.

السؤال المطروح على القوى العلمانية والمدنية الديموقراطية ومنها الحزب الشيوعي العراقي هو ان كانوا يمتلكون الارادة السياسية والشجاعة،  في تحويل النقد لممارسات السلطة الى العمل على وحدة الخطاب السياسي من اجل تغيير شكل السلطة، وذلك في ان يقدموا لشعبنا من خلال برنامج سياسي اقتصادي اجتماعي لـأنه بديل وطني حقيقي قادر على انهاء معاناة شعبنا، من خلال تغيير نظام المحاصصة؟

إن مستقبل العراق لن تصنعه قوى المحاصصة وحلفائها من مؤسسات عشائرية ودينية من تلك التي اوصلت بلادنا وشعبنا الى الواقع الذي نعيشه اليوم، بل الى قوى تمتلك الشجاعة لتغييره، فهل تمتلك القوى العلمانية والمدنية الديموقراطية هذه الشجاعة..؟

 

26/6/2026