كيف اغتالت منظومة الفساد أحلامَ "سندباد" العراقي
لم تكن حكاية «علي بابا والأربعون لصاً» مجرد خيالٍ شرقي ورد في طيات «ألف ليلة وليلة»، بل هي تجسيدٌ مبكرٌ لنمطٍ ثابتٍ من استغلال السلطة والنهب الذي رافق المجتمعات عبر قرون. ورغم أن المستشرق أنطوان غالان أضاف هذه القصة إلى الكتاب في القرن الثامن عشر مستنداً إلى ذاكرة القاص السوري حنا دياب، إلا أن هذه الحكاية لم تكن "صدفة" أدبية، بل كانت محاكاةً دقيقةً لواقعِ لصوصٍ لا يسرقون الأفراد فحسب، بل يسطون على الموارد في غفلة من المجتمع.
وعند إسقاط هذا الموروث الحكائي على الواقع العراقي الراهن، نجد أننا لا نشهد "تشابهاً" عابراً، بل نشهد استمراريةً لنمط الحكم القائم على "المغارة". إن بغداد التي روت حكاياتها في المقاهي قديماً، تعيش اليوم نسخةً مطابقةً ومؤلمةً من تلك الحكاية، حيث تحولت "المغارة" من كهفٍ في الجبل إلى أروقةٍ حصينةٍ في مؤسسات الدولة، وحيث لم يعد "الأربعون لصاً" شخصياتٍ خيالية، بل أصبحوا مؤسساتٍ ومنظوماتٍ متجذرةً تقتات على قوت الشعب.
إن الربط بين علي بابا والواقع العراقي ليس من باب المفارقة، بل هو كشفٌ لحقيقةٍ مُرة: إن "منطق الغنيمة" الذي حرك لصوص الأسطورة، هو ذاته المحرك الفعلي للفساد في العراق اليوم. فإذا كانت "افتح يا سمسم" قد فتحت أبواب الكهف قديماً، فإن شبكات المحاصصة والعقود الوهمية والفساد المنظم هي "الكلمة السرية" الجديدة التي تفتح خزائن العراق اليوم، ليس لخدمة الناس، بل لنهب مستقبلهم، في مشهدٍ يؤكد أنَّ التاريخ لا يعيد نفسه فحسب، بل يعيد إنتاج أساليبه في النهب بوجوهٍ وأقنعةٍ أكثر حداثةً ووحشية.
مغارة الدولة: العقود الوهمية وتهريب العملة.. سرقاتٌ بلا "سمسم أذا كانت مغارة علي بابا القديمة تتطلب "كلمة سر" لفتح أبوابها، فإن مغارة الفساد في العراق المعاصر قد ألغت هذه الحاجة تماماً؛ فقد أصبح باب الخزانة العامة مفتوحاً على مصراعيه بفعل شبكة من "العقود الوهمية" التي أُنشئت لابتلاع مليارات الدولارات تحت مسميات "الإعمار" و"الاستثمار".
لقد تحولت المشاريع الخدمية في المدن العراقية إلى "أشباح"؛ مشاريع تُدرج في الموازنات، وتُخصص لها الميزانيات الضخمة، ثم تتبخر قبل أن يوضع حجر الأساس. إنها "سرقة بطريقة بيروقراطية"، حيث يتم التعاقد مع شركات وهمية أو واجهات لمسؤولين متنفذين، لتنتهي الأموال في حسابات خارجية، بينما يظل المواطن في بغداد والبصرة وكردستان يعاني من تدهور البنية التحتية، في مشهدٍ سريالي يوحي بأن "اللصوص" قد طوروا أساليبهم ليصبحوا هم من يضعون القوانين التي تحميهم.
أما الشق الآخر من هذه "اللصوصية المنظمة" فهو تهريب العملة الصعبة عبر مزادات العملة ومنافذ أخرى، والتي أصبحت الشريان الذي يغذي الخارج بدم الاقتصاد العراقي. هذه العملية ليست مجرد خطأ تقني أو إداري، بل هي آلية محكمة لنقل السيولة النقدية من جيوب العراقيين إلى خزائن دول ومصارف خارجية. وإذا كان لصوص علي بابا يخشون انكشاف أمرهم، فإن لصوص العصر في العراق يتمتعون بحصانات سياسية تجعل من ملاحقتهم أمراً أقرب إلى المستحيل.
من سندباد "الباحث عن الحق" إلى واقع "علي بابا": أين ضاعت بوصلة الجيل؟ في ثمانينات القرن الماضي، لم كانت بغداد في ذاكرتنا ليست مجرد مدينة، بل كانت نقطة انطلاق "سندباد"؛ ذلك البطل الذي علّمنا من خلال مغامراته أنَّ العالم فسيح، وأنَّ المعرفة والعمل هما السبيل الوحيد لمواجهة قوى الشر والفساد. كان سندباد يمثل في وجداننا البغدادي والعراقي نموذجاً للإنسان الذي يرفض الخضوع، ويسعى بصدقٍ وإصرارٍ لإعمار حياته وحماية وطنه من الطامعين.
لكنَّ المفارقة القاسية التي نواجهها اليوم هي أنَّ الجيل الذي نشأ على قيم سندباد، وجد نفسه يعيش في واقعٍ يحكمه منطق "علي بابا"؛ حيث لم يعد "اللصوص" وحوشاً أسطورية أو مشعوذين في جزر نائية، بل تحولوا إلى "منظومات" تعيش بيننا وتنهب مواردنا في وضح النهار. إن الصدمة الجيلية التي نعيشها تكمن في هذا التحول: كيف انتقل العراق من كونه منطلقاً لـ "سندباد" الباحث عن الكرامة، ليصبح "مغارة" يتنازعها لصوصٌ لا يشبعون؟ انعكاسات السرقة: حين يغتال الفساد "الأمل" قبل "المال" بعيداً عن لغة الأرقام والمليارات المنهوبة، هناك خسارة أخرى لا تقل فداحة عن سرقة المال العام، وهي "السرقة النفسية" لمستقبل الفرد العراقي. إنَّ شعور المواطن بأنَّ الدولة التي يُفترض بها حمايته قد تحولت إلى أداة لنهب مقدراته، قد خلق حالة من "الاغتراب" داخل وطنه. حين يرى الشاب العراقي أن طرق الوصول إلى الثروة لم تعد تعتمد على الجهد أو الكفاءة، بل على "المغارة" التي يملك مفاتيحها "الأربعون لصاً" (ومن والاهم)، فإن ذلك يغتال روح المبادرة والطموح لديه. لقد أصبح الفساد الممنهج بمثابة جدار إسمنتي عالٍ يسدُّ أفق المستقبل، مما دفع الكثيرين إلى اليأس، أو دفع الكفاءات إلى الهجرة.
إنَّ هذا الواقع لم يسرق فقط ميزانيات المستشفيات والمدارس والطرق، بل سرق "الثقة"؛ الثقة في المؤسسة، والثقة في القضاء، والأخطر من ذلك، الثقة في إمكانية إصلاح هذا المسار. إنَّ استعادة العراق لمكانته لا تبدأ من جرد السرقات فحسب، بل تبدأ بكسر "عبارة السر" التي يحاول الفاسدون فرضها، وإعادة الاعتبار لقيم النزاهة والعمل، كي لا يظل المواطن العراقي مجرد شاهدٍ على سرقة حياته في بلادٍ تطفو على بحار من الثروات، بينما يغرق أهلها في شبرٍ من الإهمال والفساد.