الموضوع يعبر عن رأي الكاتب وقرأته للرسائل السبع لغبطة البطريك.
رؤية البطريك مار بولس الثالث نونا رئيس الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية في العراق والعالم لمستقبل المسيحيين في العراق للحاضر والمستقبل رؤية الكنيسة الكلدانية في العراق.
✦ تمهيد
تُمثّل هذه الرسائل السبع منظومةً فكريةً متكاملة، أطلقها صاحب الغبطة والنيافة البطريك مار بولس الثالث نونا، بطريرك الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية، لترسم معالم العلاقة السليمة بين المسيحيين والدولة العراقية، وتُحدّد الأدوار الجوهرية للكنيسة في بناء مجتمع عادل ومستقر إنها دستور روحي مدني يُخاطب الواقع بعيون الأمل، ويُقرأ في ضوء تحديات الحاضر وطموحات المستقبل.
✦ الرسائل السبع شرحاً تفصيلياً ✦
الرسالة الأولى الكنيسة والسياسة: حدود واضحة، خدمة صادقة.
نحن نترك السياسية للسياسيين، لأن لدينا الكثير مما نعمله ويغنينا عن التدخل في السياسة، ولكننا جميعاً نعمل، كلٌ من موقعه، في خدمة البلد.
أ-الموقف الكنسي من السياسة.
يُؤكد البطريك نونا بشكل قاطع أن الكنيسة ليست حزبًا سياسيًا، ولا هي مؤسسة تنافس على السلطة أو تتدخل في إدارة شؤون الحكم. هذا ليس تخليًا عن المسؤولية، بل هو وعيٌ عميق بطبيعة الرسالة الكنسية وحدودها الصحيحة. فالكنيسة أُسّست لإعلان الإنجيل ورعاية النفوس وخدمة الفقراء والمظلومين، وليس لاستقطاب الأصوات أو المساومة في دهاليز السياسة.
ب- لدينا الكثير مما نعمله.
هذه العبارة تحمل في طياتها إجابةً صريحة لكل من يتساءل: لماذا لا تتدخل الكنيسة في السياسة؟
الجواب أن أجندة الكنيسة مليئة بما هو أعمق وأدوم التعليم والتربية، الرعاية الصحية، دعم الأسر المعوزة، إعادة تأهيل الشباب، الحوار بين الأديان، الحفاظ على الهوية والتراث الحضاري. هذه المهام تستوعب طاقات الكنيسة كلها وتزيد.
ج- كلٌّ من موقعه فلسفة الخدمة المتكاملة.
غير أن التمايز عن السياسة لا يعني الانعزال عن الوطن رجل الكنيسة والمعلم والطبيب والمزارع والتاجر المسيحي كلهم جنود في معركة بناء العراق، كلٌّ من موقعه ومن خلال اختصاصه الراعي يبني إنسانًا، والإنسان يبني مجتمعًا، والمجتمع يبني وطنًا هذا هو التصوّر الكنسي للمشاركة الوطنية حضور فاعل بلا ابتذال سياسي.
الرسالة الثانية سيادة القانون: ركيزة الوجود المسيحي لا الشعارات.
إن المسيحيين يحبون سيادة القانون والاستقرار، ومستقبلهم لا يُبنى بالشعارات والخطابات، بل يحتاج إلى مبادرات عمليّة.
أ-محبة القانون قيمة حضارية أصيلة.
يُصرّح البطريك نونا بأن المسيحيين يحبون سيادة القانون، وهذا ليس مجرد كلام فتاريخيًا، كانت الكنيسة الكلدانية من أولى المؤسسات التي ساهمت في بناء المنظومة القانونية والتعليمية في العراق سيادة القانون تعني أن لا أحد فوق القانون، وأن الحقوق مصونة، وأن الاختلاف يُحسم بالمؤسسات لا بالعنف هذا هو البيئة التي يزدهر فيها أي أقلية وأي مواطن عادل.
ب- نقد ثقافة الشعارات.
الإشارة الصريحة إلى أن المستقبل لا يُبنى بالشعارات والخطابات هي نقد رصين وجريء لنمط سياسي سائد في المنطقة، حيث تُختزل القضايا الكبرى في هتافات حماسية فارغة من المحتوى البطريك يرفض هذا التوجه ويدعو إلى ثقافة المسائلة والإنجاز هل أُنجزت مدارس؟ هل أُعيد توطين النازحين؟ هل حُمي الأهالي فعليًا؟
ج- المبادرات العملية: نموذج البناء الحقيقي.
المطلوب ليس الوعود والبيانات، بل مشاريع ملموسة ذات أثر معيشي مباشر: تحسين الخدمات في مناطق الأقليات، تأمين الحماية القانونية للأراضي والممتلكات، تطوير البنية التحتية في سهل نينوى، توفير الوظائف. هذه هي لغة البناء الحقيقي التي تكلمت عنها هذه الرسالة.
الرسالة الثالثة الاقتصاد طريق العودة: الاستثمار يوقف الهجرة.
العالم اليوم يُبنى على الاقتصاد لا على السياسة، ولذلك فإن الاهتمام بالاقتصاد، وخاصة المشاريع الاستثمارية، سيشجّع على الهجرة العكسية إلى داخل العراق ويعزز الوجود المسيحي.
أ-تشخيص جذري جوهر أزمة الهجرة.
يُقدّم البطريك نونا تشخيصًا اقتصاديًا حادًا لمشكلة هجرة المسيحيين الناس لا يتركون وطنهم فقط بسبب الخوف، بل لأن الوطن لا يُوفّر لهم فرصة الكرامة الاقتصادية العراق يمتلك ثروات طبيعية هائلة، ورأسمالًا بشريًا مدرَّبًا في المهجر، لكن غياب بيئة الاستثمار الآمن يجعل العودة مجازفة لا جدوى منها.
ب- الاقتصاد أقوى من السياسة في تثبيت الوجود.
المسيحي الذي يملك مشروعًا تجاريًا ناجحًا، أو أرضًا زراعية مثمرة، أو مؤسسة تعليمية فاعلة في بلده هذا لن يفكر في الهجرة أما الخطابات السياسية عن الحقوق، مهما كانت حماسية، فلن تُثنيه عن الرحيل إذا كان جيبه فارغًا وطفله بلا مستقبل لذا فإن الاستثمار الاقتصادي هو التدخل الأكثر فعالية لتعزيز الصمود المسيحي.
ج- الهجرة العكسية رهان الأمل.
ثمة في دول المهجر مئات الآلاف من المسيحيين العراقيين الذين يحملون رساميل وخبرات وشوقًا للعودة، لكنهم ينتظرون ضمانات اقتصادية حقيقية مشاريع استثمارية في الزراعة والسياحة الدينية والصناعات الصغيرة والمتوسطة وقطاع تقنية المعلومات كلها قادرة على استقطاب هذه الكفاءات العائدة وخلق موجة هجرة عكسية مُنتجة.
الرسالة الرابعة جمال التنوع: كنز العراق الحضاري الأعمق.
إن التنوع في العراق أمر جميل، يساعد أن نتعلّم الواحد من الآخر.
أ-التنوع رحمة لا ابتلاء.
في خطاب يكاد يخالف ما تُوهمه الصراعات الطائفية، يُعلن البطريك نونا بجرأة أن التنوع العراقي العرقي والديني والمذهبي والثقافي هو أمر جميل، لا عبء ثقيل العراق الذي يجمع العرب والكرد والتركمان والمسيحيين والمسلمين والإيزيديين والصابئة، هو في حقيقته واحدة من أغنى الحضارات التعددية في التاريخ البشري، تُعدّ رافدين اثنين لنهريه الخالدين.
ب- التعلّم المتبادل: الثمرة الحقيقية للتنوع.
التنوع لا قيمة له إذا اكتفى كل طرف بالانغلاق داخل هويته، ثمرته الحقيقية هي أن يتعلم الواحد من الآخر المسيحي يُضيف للمسلم وجهة نظر مختلفة تُثري تفكيره، والمسلم يقدّم للمسيحي نماذج في الإيمان والتضامن الاجتماعي الكردي يُعلّم العربي الارتباط بالأرض، والعربي يُشارك الكردي عمق اللغة هذا الإخصاب المتبادل هو ما يبني الهوية الوطنية الجامعة.
ج- مواجهة خطاب التجانس القسري.
هذه الرسالة ترفض ضمنيًا كل خطاب يسعى إلى صهر الهويات الصغيرة في هوية واحدة مسيطرة التوحيد بالإكراه يُميت الروح ويُفرغ المجتمع من طاقته الإبداعية أما التنوع المصحوب بالتسامح والشراكة، فهو الوقود الذي يُحرّك حضارات العصر الذهبي العراق عاش هذا في مراحل زاهرة من تاريخه، ويستطيع أن يعيشه مجددًا.
الرسالة الخامسة الكنيسة يد ممتدة: شريكة بناء لا مُتفرّجة.
ستكون الكنيسة دائماً يداً تمتدّ مع الأيادي الأخرى لعمل الخير في البلاد.
أ-التزام راسخ لا شرطي.
كلمة دائمًا في هذه الرسالة تحمل ثقلًا استثنائيًا الكنيسة لا تقول سنُشارك إذا تحسّنت الظروف، بل تقول يدنا ممتدة في الخير دائمًا في أيام العسر واليسر، في أوقات التوافق والخلاف، في لحظات الأمن والخوف هذا هو الالتزام الأخلاقي الذي يميّز المؤسسات الحقيقية عن الهياكل الانتهازية.
ب- مع الأيادي الأخرى روح الشراكة.
الكنيسة لا تدّعي أنها وحدها قادرة على بناء البلد، وهذا تواضع حقيقي هي تُعلن استعدادها للعمل مع
المؤسسات الحكومية، ومنظمات المجتمع المدني، والكنائس الأخرى، والأديان الأخرى، والمنظمات الدولية كل يدٍ تمتد للخير هي يد تُرحّب بها الكنيسة وتُصافحها هذه روح الشراكة هي الأساس الصحيح للعمل المجتمعي.
ج- الخير في البلاد التعريف الكنسي للمهمة.
هذا التعبير يُحدّد غاية واضحة الخير في البلاد وليس خير الطائفة وحدها، ولا مصلحة الكنيسة المؤسسية، بل الخير العام المُشترك هذا تعريف لاهوتي للمسؤولية الوطنية أن تُحبّ وطنك بما يكفي لتعمل من أجل خيره الشامل، حتى حين لا تنتفع أنت شخصيًا.
الرسالة السادسة ثقافة الحوار: الصراحة والثقة واعتبار الآخر ثروة.
من أهم المبادئ التي نحتاجها: الصراحة في الحديث، الثقة وعدم الخوف من الآخر، واعتبار الاختلاف غنى للجميع.
أ-الصراحة شجاعة الحديث الحقيقي.
الصراحة ليست خشونة الطبع، بل هي احترام للآخر بما يكفي لتقول له الحقيقة في مجتمعات تعوّدت على المجاملة والنفاق الاجتماعي، تبدو الصراحة فضيحة لكنها في الحقيقة الأساس الوحيد لأي حوار بنّاء المشكلة لا تُحلّ إذا لم تُسمَّ باسمها، والشركاء لا يتقاربون إذا تحدّث كلٌّ منهم فقط بما يُريح الآخر.
ب- الثقة وعدم الخوف: تجاوز الصدمة التاريخية.
عاشت المجتمعات العراقية عقودًا من الصراعات والاضطهادات خلّفت جروحًا عميقة وبنت جدرانًا من الريبة يدعو البطريك نونا إلى تجاوز هذه الجدران بشجاعة لا خوف من الآخر المختلف، لا قراءة للنوايا السيئة بغير دليل، لا إسقاط ذنوب الماضي على شركاء الحاضر الثقة المبنية على التجربة المتراكمة هي رأسمال اجتماعي لا يُقدَّر بثمن.
ج- الاختلاف غنى: من فلسفة التسامح إلى فلسفة الاحتفاء.
هذا هو أعمق مبادئ الرسالة السادسة الاختلاف ليس مشكلة نتحمّلها، بل ثروة نحتفي بها حين يُعيد المسيحي والمسلم النظر في اختلافهما لا كتهديد، بل كتكامل، وحين يرى الكردي والعربي تنوّعهما لا كسبب للنزاع، بل كفرصة للإثراء عندها يُبنى مجتمع ناضج حقًا.
الرسالة السابعة تغيير الصورة الإعلامية: العراق الحقيقي يستحق أن يُرى.
من الضروري العمل على تغيير الصورة الإعلامية للعراق، وإعطاء صورة حقيقية مبنيّة على الواقع.
أ-أزمة الصورة: العراق في عقل الآخر.
في الخيال الجمعي العالمي، يُختزل العراق في صور الحروب والتفجيرات والنزوح الجماعي هذه الصور حقيقية جزئيًا، لكنها تُخفي عراقًا آخر حيًا نابضًا عراق التاريخ السومري والبابلي والآشوري، عراق بابل والمتحف والمسجد الكبير والكنائس الأثرية، عراق مُدن جامعية وشعراء وموسيقيين وعلماء الصورة المشوّهة تكلّف العراق استثمارات، وسياحة، ومواهب، ومستقبلًا.
ب- صورة مبنيّة على الواقع ليس دعاية، بل شهادة.
ما يطلبه البطريك نونا ليس تجميل الصورة أو إخفاء الحقائق المؤلمة، بل إعطاء الصورة الكاملة حين تُروى قصة عائلة مسيحية عادت إلى الموصل وأعادت بناء بيتها، وحين يُوثَّق نجاح مشروع زراعي في سهل نينوى، وحين تُبثّ احتفالات عيد الميلاد في قرى كلدانية فهذا ليس تضليلًا، بل تصحيح لمظلمة إعلامية تاريخية.
ج- دور الكنيسة في صياغة السرديّة البديلة.
للكنيسة علاقات دولية واسعة وحضور في عواصم العالم بمقدورها أن تُسهم في تغيير السرديّة من خلال علاقاتها مع الفاتيكان والكنائس الغربية والمنظمات الحقوقية، ومن خلال تقديم شهادات حيّة لمسيحيين يعيشون ويبنون في العراق، ومن خلال دعم الصحافة المسؤولة والتوثيق الجادّ الذي يُصحّح الانطباعات الخاطئة هذه الرسالة هي دعوة لحرب إعلامية لكن بسلاح الحقيقة.
تتشابك هذه الرسائل السبع لتُشكّل رؤيةً واحدة متكاملة: مسيحيون يُحبون عراقهم، ويخدمونه بعقلانية واقتدار، ويرفضون أن يكون مستقبلهم رهينة الخطاب والشعار، ويُؤمنون أن حضورهم حق طبيعي لا يُناقَش، وأن قوة هذا الحضور تأتي من الإنجاز لا من الاستجداء.
✦ البطريك مار بولس الثالث نونا بطريرك الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية ✦
جوهر الرسائل مجتمعةً: ترسم الرسائل السبع مجتمعةً خارطة طريق متكاملة للوجود المسيحي في العراق، تقوم على ثلاثة محاور كبرى:
محور الهوية: ليست الهوية الانسحاب إلى الهامش ولا الاستعراض في السياسة، بل هي الخدمة الصامتة البنّاءة من كل موقع ومهنة واختصاص.
محور الاستراتيجية: الاستثمار الاقتصادي هو المساوي الحقيقي للبقاء، والقانون هو الضامن الذي يجب المطالبة به بمبادرات ملموسة لا بخطابات جوفاء.
محور العلاقة: العلاقة مع الآخر من الخوف والريبة إلى الصراحة والثقة، ومن تحمّل التنوع إلى الاحتفاء به، ومن الصورة المظلمة إلى الشهادة الحيّة على العراق الحقيقي.
الهوامش: - الرسائل التي تم نشرها في موقع البطركية الكلدانية لرسائل غبطة البطريك مار بولس الثالث نونا المكتوبة باللون الأزرق، التحليل والشرح التفصيلي هو لكاتب الموضوع.
(جاكوب شامايا)
حازم القوشي
06-06-2026