في دمشق، قبل سقوط النظام البعثي الدكتاتوري، ــ وعن مصادر موثوقة ــ قصد أحد "الشعراء" المعروفين بولائه السابق لصدام حسين، والذي تُنسب إليه كلمات أغنية (منين تطلع الشمس... تطلع من العوجة)، مقر الحزب الشيوعي العراقي، طالبًا رسالة تزكية، مبينًا أنه ينتمي إلى عائلة شيوعية، وأن عدي صدام حسين قد سجنه، ليستخدم تلك الرسالة أمام الهيئات الدولية في مسعى للحصول على اللجوء.

غير أن ما غاب عن هذا "الشاعر" أن الشخص الذي قابله كان يعرف جيدًا سبب اعتقاله الحقيقي؛ إذ لم يكن الاعتقال بسبب موقف سياسي أو معارضة للنظام، وإنما ــ بحسب ما كان معروفًا آنذاك ــ على خلفية قضية تتعلق بتزوير أوراق تخص ممتلكات أو معاملات في إمبراطورية اللجنة الأولمبية التي كان يديرها ابن الطاغية. ومنذ ذلك الحين، دأب الرجل على رواية نصف الحقيقة، مكتفيًا بعبارة: (سجني عدي)، ومتجاهلًا عمدًا سبب ذلك السجن، في ممارسة تذكّر بمن يستشهد بقوله تعالى: ﴿لا تقربوا الصلاة﴾، ويحذف تمام الآية.

تذكرت هذه الواقعة وأنا أتابع موجة الرثاء التي أعقبت وفاة الملحن فاروق هلال، وهو ممن كرّسوا جانبًا من نتاجهم الفني لخدمة صدام حسين ونظامه، وحصدوا من وراء ذلك الامتيازات والتكريمات. وإذا كان من حق أي إنسان أن يُرثى بوصفه إنسانًا، فإن ذلك لا يبرر محو تاريخه السياسي أو تلميع دوره في خدمة سلطة استبدادية.

غير أن اللافت أن ذلك "الشاعر" نفسه سارع إلى نعي صديقه الملحن، متحسرًا على ما وصفه بعدم حصوله على تشييع يليق به، ثم انبرى يعدد "مناقبه"، حتى وصل به الأمر إلى الادعاء بأنه كان من مناصري الحزب الشيوعي العراقي، بل ومتبرعًا له سرًا،وأن الحزب نفسه لم يكن يعلم بتلك التبرعات؛ وهي رواية يصعب التوفيق بينها وبين طبيعة العمل التنظيمي في الحزب الشيوعي، الذي يعرف، بحكم تنظيمه، مؤيديه والمتبرعين له.

وفي هذا السياق، كتب الصحفي عبد الله شناوة منشورًا معبرًا على صفحته في فيسبوك، أستأذنه في اقتباس جزء منه، إذ يقول في منشور بعنوان: (فاروق هلال... خاتمة مؤسفة):

(في أواخر عمره أساء فاروق هلال لزملائه من الفنانين الذين عارضوا صدام حسين، الذي أفنى هلال الشطر الأخير من حياته في خدمته وخدمة نظامه. فزعم في لقاء تلفزيوني أن أيًا من الفنانين لم يضطر إلى مغادرة العراق بسبب الاضطهاد والقمع، وأن سبب مغادرتهم جميعًا هو سعيهم إلى الشهرة والانتشار خارج العراق. ولا يمكن تفسير لجوء هلال إلى هذا الكذب في آخر أيامه بأي شكل، فهو يعلم، ولا شك، بمواقف فؤاد سالم، وكوكب حمزة، وكمال السيد، وطالب غالي، وسامي كمال، وحميد البصري، وشوقية العطار، وغيرهم كثير من مبدعي العراق في مجال الموسيقى والغناء، فضلًا عن زملائهم في مجال التمثيل، ولعل أبرزهم الفنانة زينب، هذا غير المبدعين في مجالات فنية أخرى. وبمثل هذا الافتراء اختار هلال، قبل رحيله، أن يواصل تجميل وجه النظام الدموي الذي أفنى في خدمته عقودًا عديدة من عمره).

وهنا يبرز السؤال: ما الذي يدفع شاعرًا سبق أن مجّد صدام حسين إلى محاولة تبييض صفحة ملحن كرّس هو الآخر فنه لخدمة الدكتاتورية؟

أعتقد أن الإجابة نجدها في مقال الراحل المناضل الفريد سمعان الموسوم (قميص عثمان)، الذي كتبه عندما ارتفعت أصوات تنتقد اتحاد الأدباء العراقي لأنه لم يرفع لافتة سوداء حدادًا على يوسف الصائغ. وقد كتب سمعان آنذاك:

(بعض المتحيزين للأقلام القذرة يحاولون أن يغطوا جانبًا من الإساءات التي ارتكبوها هم أيضًا في عهد الدكتاتورية، ولا يعرفون كيف يتداركون ما فعلوه. فوجدوا في "قميص عثمان" يوسف الصائغ ملاذًا ومذبحًا يصلّون فيه طلبًا لغفران الذنوب وإبعاد الشبهات عن تاريخهم "النظيف" جدًا).

إن استحضار هذا النص اليوم ليس من باب تصفية الحسابات مع الأموات، وإنما لأنه يفسر ظاهرة ما زالت تتكرر؛ فكلما رحل أحد الذين ارتبطت أسماؤهم بآلة الدعاية البعثية، خرج من يحاول فصل سيرته الفنية عن دوره السياسي، أو إعادة رسمه بصورة الضحية أو الوطني أو المعارض المستتر، وكأن التاريخ صفحة بيضاء يمكن محو ما كُتب عليها بمجرد كلمات رثاء.

ولعل شهادة الفريد سمعان تكتسب أهمية خاصة؛ لأنه عاش تلك المرحلة، وعرف الوسط الثقافي العراقي عن قرب، وميّز بين من حافظ على كرامته واستقلاله، وبين من جعل قلمه وصوته أداة بيد السلطة. وهو نفسه الذي قال في أحد البرامج التلفزيونية: (لا تصدقوا أحدًا يقول إنه كتب للطاغية تحت الإكراه؛ فمن كتب، كتب باختياره).

ولم تكن هذه الشهادة الوحيدة، فقد أكد المطرب كاظم الساهر، الذي غنى في مرحلة من حياته للنظام الصدامي، في لقاء تلفزيوني مع الإعلامي نيشان ديرهاروتيونيان، وهو لقاء متاح على يوتيوب، أن مقولة: (كانوا يجبروننا) ليست صحيحة، وقال بوضوح: (من يقول لك: كانوا يجبروننا، قل له: كذب).

إن هذه الشهادات لا تترك مجالًا كبيرًا للاختباء وراء ذرائع الإكراه أو الوظيفة أو الخوف. فليس من العدل أن يُساوى من دفع ثمن موقفه استشهادًا، أو نفيًا، أو سجنًا، أو إقصاءً، بمن اختار، طوعًا، أن يكون جزءًا من ماكينة التمجيد والاستبداد.

لذلك، فإن رفع (قميص فاروق هلال) اليوم لا يبدو، في نظر كثيرين، سوى امتداد لرفع (قميص يوسف الصائغ) و (قميص عبد الرزاق عبد الواحد) من قبل؛ أي استخدام أسماء الراحلين ستارًا لتزييف التاريخ، قبل أن يكون إنصافًا لمن يُرثى. فالوفاء للحقيقة يقتضي ألا تتحول المراثي إلى وسيلة لمحو الذاكرة، وألا يصبح الموت صك غفران يمحو مسؤولية من اختار، بإرادته، أن يضع موهبته في خدمة الاستبداد. فالفن قيمة إنسانية سامية، لكنه يفقد براءته عندما يتحول إلى أداة لتجميل الطغيان وتبرير جرائمه، والتاريخ لا يرحم من يحاول إعادة كتابة الوقائع بما يناسب ضميرًا مثقلًا بالماضي.

 

25 تموز 2026 ــ بروكسل