هناك تداعيات كبيرة كان ينتظرها العراق مع اتساع الحرب الإقليمية بعد الاعتداءات الأمريكية-الإسرائيلية على الجمهورية الاسلامية الإيرانية و تضاعفت وتيرة الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة من مواقع أميركية وتوجد قواعد أجنبية عسكرية في العراق للمشاركة في تلك الاعتداءات لقرب هذه القواعد من الحدود بين البلدين العراق وايران،، رغم المتوقع أن أي تصعيد إقليمي قد ينعكس على الساحة العراقية من خلال الضغوط السياسية أو التوترات الأمنية أو التأثيرات الاقتصادية لهشاشة الأوضاع السياسية فيها، ومن هنا يتطلب من صناع القرار في العراق ويجب أن يدفعهم إلى تبني سياسات تميل إلى التعاون للتهدئة وتجنب الانخراط في محاور الصراع الإقليمي ، لان في المرحلة الراهنة تشهد المنطقة تصاعدًا في مستوى التوترات السياسية والعسكرية نتيجة التفاعلات المعقدة بين القوى الإقليمية والدولية الفاعلة، ويُعدّ هذا التصعيد جزءًا من سياق أوسع يتصل بإعادة تشكيل توازنات القوة في المنطقة، وفي ظل هذه البيئة المتغيرة، يبرز العراق بوصفه دولة تقع في قلب هذه التفاعلات بحكم موقعه الجيوسياسي وتشابك علاقاته السياسية والأمنية مع الأطراف المختلفة، الأمر الذي يجعل تطورات الصراع الإقليمي ذات تأثير مباشر أو غير مباشر على استقراره الداخلي وخياراته السياسية. يمكن أن يستفيد من حالة الاحتواء الدولي عبر اتباع سياسة توازن في علاقاته الإقليمية والدولية، والسعي إلى تقليل تداعيات الحرب على أمنه واستقراره الداخلي، إذ تعتمد المسارات المستقبلية للحرب في المنطقة على طبيعة توازن القوة بين الأطراف المتحاربة، ومدى تدخل القوى الدولية، ومستوى التصعيد العسكري في الإقليم، وفي جميع السيناريوهات يبقى العراق متأثراً بدرجات متفاوتة بحكم موقعه الجيوسياسي وارتباطه بشبكة معقدة من العلاقات الإقليمية والدولية.
الملاحظ ولا مجال الان أصبح العراق اليوم جزءاً من مسار الصراع لموقعه الجغرافي وتركيبته السياسية مما يجعلان من الصعب عزله عن أي مواجهة إقليمية كبرى و أشكال تلك التداعيات وأحجامها وصورها سيحدده مسار الحرب، العراق دخل الحرب عسكرياً من دون أن يدخلها سياسياً. فالسلاح يتحرك على أراضيه عبر فاعلين متعددين، فيما تبقى الدولة خارج قرار الحرب نفسه. هذه المفارقة تعكس طبيعة النظام السياسي العراقي الذي يقوم على توزيع القوة بين عدة مراكز. السلطة الرسمية في بغداد تدير الدولة ومؤسساتها، لكنها لا تملك السيطرة الكاملة على المجال الأمني و النخبة السياسية الحاكمة لا تستطع أن تنأى بنفسها عن الأزمات الإقليمية أو كبح من يريد أن يزج بالعراق في سياسات خاطئة تذهب بالبلد الى الهاوية، في ظل تعدد مراكز الضغط الخارجية، وتباين المواقف الداخلية، يجعلان عملية صناعة القرار أكثر تعقيداً، خصوصاً ان البعض يعتقد ان الحاجة إلى المحافظة على علاقات متوازنة مع جميع الشركاء الإقليميين والدوليين من اجل ابعاد شبح الحرب عن العراق .
هنا نعود إلى ما تركته العملية السياسية طيلة السنوات السابقة من بصمة معقدة في اختيار تركيبتها، والتي أنتجت نظامًا يغيب عنه صورة “الدولة” ومصالحها الاستراتيجية وإدراك خطورة الانزلاق إلى ساحة المواجهة واتباع توجيهات عابرة للحدود مع تنامي خطر الهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ، وهو ما يفرض تحديات كبيرة على منظومات الإنذار المبكر والدفاع الجوي الضعيفة او القليلة لدى العراق .
لقد أثارت التطوُّرات العسكريُّة الأخيرة مخاوف مقلقة بشأن إمدادات الطَّاقة العالميَّة، ما أدَّى إلى ارتفاع أسعار النَّفط و يؤثر في بيئة الأعمال، ويزيد من احتمالات اضطراب أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد، فضلاً عن الضغوط المتوقعة على الموازنة العامة للدولة في ظلّ استمرار تداعيات إغلاق مضيق هرمز والتَّهديدات بغلق اليمن لباب المندب،وفي ضوء كل هذه المؤشرات المفروضة على المنطقة، فإن العراق يقف عند مفترق طرق استراتيجي ستكون قراراته خلال المرحلة المقبلة عاملاً حاسماً في تحديد موقعه ضمن معادلات الإقليم الجديدة. ومن ثم فإن بناء رؤية وطنية شاملة، تستند إلى التخطيط الاستراتيجي، والرصد الاستباقي، والجاهزية المؤسسية، والدبلوماسية الفاعلة، يمثل الخيار الأكثر واقعية لضمان حماية السيادة، وتعزيز الاستقرار، وصون المصالح العليا للدولة.
– باحث واعلامي